الفصل السابع عشر: معرفة الذات (2)

في مكان داخل هذه القلعة الشاسعة، مبتعداً عن جميع الغرف والقاعات، أشبه بجنة مصغرة، كان الفناء الداخلي لهذا الحصن.

بدا من النظرة الأولى أنه متجمد، على عكس الحدائق والزهور التي مالت نحو الذبول قليلاً غير متفتحة، حتى النافورة غدت قطعة زينة تُبهر العين فقط. كانت الكراسي الخشبية والمعدنية تطل من كل جانب، معظمها تغطيه كتل ثلجية.

بدا واسعاً ومكتظاً بالأطفال الذين لم يتوانوا في رمي كرات الثلج على بعضهم، فلم تُسمع إلا الضحكات تتعلق في الأرجاء، بعضها يصيب وبعضها يخطئ. كانت أعمارهم ما بين الخامسة والسادسة، لم يكترثوا بالبرد ربما بسبب ملابسهم، أو حتى لأنهم لا يكترثون بالأضرار التي ستحدث مستقبلاً.

مع ذلك استمروا غير مدركين دخول من دخل.

فُتح الباب الخشبي على نهايته

«صرير»

دخل شاب في العشرينات من عمره، وقفته المترنحة قليلاً لم تكن ثابتة بل منزعجة قليلاً، غير ملتفت إلى الأطفال وضجيجهم الذي يملأ المكان. شعره اللافت كان يتناسب تماماً مع الثلج المتساقط.

«هاااا»

زفير طويل خرج منه وهو يُغمض عينيه للحظة، ربما لم يدرك قسوة هذا الجو.

«كح كح كح»

بدأ الهواء البارد يتسلل إلى كل جزء من جسده، من رأسه حتى أخمص قدميه، مركزاً في كل شبر، ليبدأ ذلك بالشعور بالقشعريرة من جميع أنحاء جسده.

«أخ... أخ...»

لا إرادياً بدأ يحرك يديه اليمنى واليسرى لافاً إياهما حول صدره، محاولاً تقليل البرد الذي يملأ كل شبر من هذا المكان. حكّ راحتيه ببعضهما بسرعة محاولاً استدعاء بعض الدفء، ثم أخرج نفساً ثانياً مرئياً في الهواء البارد. بعد ذلك شرع يخطو خطوة واحدة تلو الأخرى، لكن لم تدم طويلاً حين لاحظ الأطفال وجوده.

لم يهتموا في البداية، لكن كان مظهره يسحر بطريقة لا يمكن وصفها، شعره... عيناه... كان هذا المظهر لا يوجد إلا لشخص واحد.

«كاين إيفانهارت»

حين تأكدوا من هويته وكأنهم يحاولون استيعاب الصدمة، توقفوا عن رمي كتل الثلج والصراخ أو حتى التذمر، بل فقط اندفعوا جميعاً دون أي استثناء لاحتضان الشاب.

غير مدرك للوضع الذي كان فيه، أغمض عينيه لبعض الوقت، حوالي ثلاثين ثانية، كان ذلك بسبب أن الجمع اندفع نحوه جاعلاً إياه غير قادر على الرؤية. لكن بعد مرور بعض الثواني، بدأ يشعر أن كل ذلك البرد والقشعريرة تلاشيا وكأنهما لم يكونا أصلاً، يتشكل مكانهما الدفء الغامر.

ثم أصوات لم يفهمها، لكن بينما بدأ يفتح عينيه لم يرَ إلا مجموعة هائلة من الأطفال تحتضنه وهي تحاول التقرب منه أكثر. في ذلك الوضع لم يعرف ماذا يفعل، حتى تلتها أصوات الأطفال المتحمسة:

«"أوه، إنه كاين إيفانهارت!"»

«"لم أتوقع أن يكون وسيماً لتلك الدرجة حقاً!"»

«"أريد توقيعه!"»

«"سيدي، هل يمكنك اللعب معنا؟"»

وهو لا يزال غير متدارك للوضع الذي يجري أمامه، سمع صوتاً جعل كل تلك الأصوات تصمت.

«"ألم أقل لكم ألا تزعجوا أي شخص يدخل؟"»

«"أوه، من فضلك سامحني! كما تعرف، الأطفال دائماً ما يحبون الاندفاع"»

بدأ الأطفال يبتعدون واحداً تلو الآخر حتى تمكنت أخيراً تلك السيدة الأنيقة من رؤية الشاب الواقف. لم تستغرق كثيراً لتعرفه، بل قالت بصوت هادئ رقيق:

«"كاين، ماذا تفعل هنا؟ أليس من المفترض أن تكون في تدريب مع كيدو الآن؟"»

فاتحاً الشاب عينيه، ناظراً إلى الفتاة بشعرها الأحمر وعيناها متناسبتان مع لون شعرها، كنار تحرق أي شيء في طريقها، لكنها أيضاً تدفئ أي شيء. كانت ترتدي سترة بيضاء ثقيلة وطويلة قليلاً، ووشاحاً أحمر مربوطاً حول رقبتها، أما سراويلها الطويلة الرمادية السوداء فتغطي ساقيها جاعلةً ذلك يحول دون تسرب أي هواء بارد.

حوّل الشاب نظره قليلاً ثم مسح بيده ذراعه محاولاً إزالة آخر ما تبقى من برد، تحدث أخيراً بعدما استوعب الوضع:

«"سيرا، ما الذي تفعلينه هنا؟"»

ردت الفتاة مباشرة دون أن ترف لها جفن:

«"أنا التي يجب أن أطرح هذا السؤال"»

أمرّ الشاب يده على شعره المبتل بالثلج ونفض منه بعض الندف، ثم تحدث بصوت خافت متقطع:

«"إنها قصة طويلة بعض الشيء"»

بعد أن استوعبت الفتاة الشيء الذي كان يحدث، ردت:

«"حسناً، ما رأيك أن نجلس على كرسي ثم نتحدث؟"»

أومأ الشاب برأسه.

بدأت تمشي متجهةً نحو الكرسي الذي كانت تجلس عليه سابقاً، والذي كان مختلفاً، إذ لم يبدُ عليه أي أثر للثلج. تابعها الشاب جالساً بجانبها محرجاً قليلاً، وضع يديه على ركبتيه ولم يجد ما يفعل.

«"حسناً، الآن ماذا حصل؟"»

بدأ كاين يفكر من أين يجب أن يبدأ هذه القصة الطويلة، متوتراً قليلاً، حكّ مؤخرة رقبته ثم أخذ نفساً هادئاً وبدأ يتكلم.

بعد مرور عشر دقائق.

«"آه، إذن هذا ما حصل"»

أومأ برأسه مؤكداً صحة المعلومة، مسنداً كوعه على ركبته.

«"حسناً، أنا أيضاً معك، يجب أن تسترخي قليلاً. لكن يا كاين، هل أنت متأكد أنك بكامل قوتك العقلية؟! أعني، من بين جميع الأماكن اخترت هذا المكان! حسناً ربما لو كان في الصيف او الربيع، لكن في الشتاء؟! أضف إلى ذلك من يريد بحق أن يجلس مع هؤلاء الأطفال؟ إنهم حقاً لا يتوقفون عن التسبب بالمشاكل! أينما ذهبت إما أشخاص الذين يمرون أو حتى صراخاتهم التي لا تتوقف"»

ابتسم كاين بخجل مفكراً فيما يجب أن يقوله، أسند خده على راحته ثم رد:

«"لكن سيرا، لماذا أنتِ هنا؟ كما تقولين أنتِ لا تحبين هذا المكان ولا حتى الأطفال، فألا ترين أنكِ...؟"»

قاطعته قبل أن يكمل كلامه، رافعةً يدها قليلاً:

«"آه، لأصحح وجهة نظرك، أنا فقط أعتبرها مثل وظيفة جزئية"»

أعاد الشاب كلامها متعجباً، مائلاً رأسه قليلاً:

«"وظيفة جزئية؟"»

«"نعم، أشبه بدوام جزئي فقط، الاعتناء بأطفال مقابل سعر جيد على ما أتوقع"»

أومأ الشاب برأسه غير متأكد ما الذي يجب أن يقوله، فرك إبهامه على راحة يده مستذكراً أخيراً كلمات آش قبل أن يدخل إلى هذا المكان.

قبل ساعة من الآن.

واقفاً آدم أمام الباب الخشبي متردداً، هل يجب أن يدخل أم فقط أن يبعد هذه الفكرة من رأسه؟

تحدث الصوت الشبح:

«"آدم، ما الذي تفعله بحقك؟! ألا يُفترض أنك دخلت منذ حوالي عشر دقائق؟ تفكر فيما يجب أن تقوله وفي السيناريوهات التي يجب أن تقولها، أكره هذا العيب فيك، ألا يجب أن...؟"»

تمتم الشبح في أعماق نفسه:

«اهدأ يا آش، اهدأ يا آش... كيف يجب أن أهدأ في هذا الموقف؟! هذا الشاب لا يستطيع حتى الدخول إلى مكان فارغ تقريباً وفيه أطفال ويفكر فيما يجب أن يقوله! إذا لم يكن هذا الشيء يجعل الإنسان يموت فما هو؟!»

تحدث آدم أخيراً، واضعاً يده على صدره بلا إرادة:

«"حسناً يا آش، لكن ماذا لو بدأوا في طرح أسئلة؟ أو اجتمعوا عليّ؟ أو حتى قالوا العب معنا؟"»

لم يستطع آش كبح غضبه، آخذاً نفساً حاداً:

«"أنت من اقترح هذه الفكرة أيها الوغد! والآن تبدأ في التردد؟! هل يجب أن أقتلك حقاً أو أن أسيطر على جسدك لكي تفعل هذا؟! هذه ليست مهمة مستحيلة! لا إطاحة بوحش ولا الوصول إلى الخلود"»

توجّه الشاب نحو الباب الخشبي ثم:

«"أوه، لا! لا، ليس الآن!"»

حرّك قدمه للأمام ثم تراجع، مرة بعد مرة، حوالي عشر مرات.

«"تباً لك يا آدم! حقاً لقد جعلتني أيأس"»

«"حسناً سامحني يا آش، لكن هل يمكنك أن تساعدني في هذا؟ أعني أن تتكلم معي كل مرة"»

نظر إليه الشبح بازدراء، صامتاً للحظة ثقيلة:

«"دعنا نأخذ تفكيرك العقيم هذا! تقول أنني يجب أن أنظر إلى السماء وأتحدث وحدك؟! أضف إلى ذلك الناس الذين سينظرون إليك والإشاعات التي انتشرت عنك بالفعل! وأيضاً ما الذي سيُفيده التحدث معي؟ هل سيُصلح الوضع؟"»

أخذ آش شهيقاً طويلاً ثم واصل كلامه:

«"الأمر بسيط يا آدم، يجب عليك فقط ألا تُفكر في هذا الكلام فتبدأ أنت في الكلام مع الناس. لن يكون صعباً. ربما بسبب شخصيتك الانطوائية بعض الشيء تواجهك هذه المشاكل، لكن يجب أن تتخطى هذا، لأنني بالطبع لن أكون معك دائماً"»

كان سبب كل هذا... الخوف، الهلع، العرق، التسارع.

«ادم مهما حاول لا يعرف لماذا ولا كيف، لكن يبدأ دائماً عقله في التفكير في سيناريوهات لن تحدث أبداً. من المستحيلات، كان يُوقن بهذه المعلومة، لكن مع ذلك يُصدّقها».

أخذ شهيقاً طويلاً ثم واصل أفكاره، ضاغطاً إبهامه على راحة يده بلا وعي.

«ربما كان هذا بسببه... انعزاله الشديد، لا بل المفرط. حسناً، لم يكن خطأه كله، أعني أن عائلته كانت تنتقل بسرعة جداً في كوريا، تقريباً في السنة الأولى انتقلوا حوالي ثلاث مرات، أما الثانية فمرتين. كان هذا الاختلال يجعله منفصلاً غير راغب أبداً في الخروج من حدوده، فقط داخل غرفته الصغيرة. ربما يتغير هذا في أول سنة من الثانوي، لكن هذا أمر طبيعي».

توقف، أسند جبهته على الباب الخشبي البارد للحظة.

«لكن هل تعرفون ما هو أسوأ شيء؟ أفكاري».

رفع رأسه، ناظراً إلى الباب أمامه دون أن يراه حقاً.

«التفكير في الكلمات التي يجب أن أقولها، وتخيّل الكلمات التي يجب أن يقولها الأطفال، وتخيّل رد لذلك الجواب، أو حتى ماذا لو حدث موقف مفاجئ؟ هذا لم يكن تخطيطاً مستقبلياً، لا بل كان تفكيراً زائداً أو تخيّلاً لشيء لن يحدث أصلاً. حسناً، ماذا لو سخر مني ذلك الطفل؟ ماذا لو أهانوني؟ كل هذا كانت تشمله، أضف إليها بعد التفرعات. كيف يقول لي أحد أن أخرج ببساطة؟»

«كان تفكيراً أشبه بالخيوط التي تلتف نحو القلب تحاول أن تجعله يتألم، ليس بوتيرة سريعة، بل بطيئة، يحس بكل ثانية وبكل ألم قبل أن يموت بضربة واحدة».

دق دق دق... د

قلبه الذي بدأ يتسارع، العرق الذي بدأ ينحدر، لسانه الذي أصبح جافاً. كل هذه المؤشرات كانت تقول له: توقف! هذا ليس شيئاً جيداً. لكن مع ذلك ومع كلمات آش لم يكن إلا مجبراً على هذا، فاتحاً الباب أخيراً، متمنياً في أعماق ذهنه ألا تكون تجربة سيئة وأن يرتاح قليلاً من كومة الأفكار السلبية، يبدأ يُحسّن بعض الشيء من كيفية تكلمه مع الناس.

ولكن لم تتحقق أماني الشاب، بل فقط شعر في البداية بالبرد، ثم في أولى ثوانيه في الحديقة الشاسعة لم يجد إلا كومة من الأطفال تندفع إليه! ولك أنت تخيّل شخصاً يعاني من رهاب اجتماعي أن يجد الآن محاطاً بكومة من الأطفال! وأضف إليها أسئلتهم التي لم يعرف حتى ما يجب أن يقول. لكن الأفضل كان تدخل سيرا في ذلك الوضع، لو لم تكن حقاً كان قد أُغمي عليه. مستدركاً أفكاره ومشاعره، وبذلك قرر أخذ خطوة للأمام، وربما سوف يندم، ربما قلبه الآن يتصارع، العرق يبدأ، لكنه قرر أن يتحدث أخيراً.

بصوت خافت يكاد لا يُسمع:

«"يا سيرا، لديّ سؤال واحد. لماذا أنتِ تعملين في هذه الوظيفة؟"»

آخذاً نظرة خاطفة على وجه الفتاة، مكملاً وهو يُحوّل بصره بعيداً قليلاً:

«"أعني أن راتبك جيد على ما أتوقع في الحصن، فلماذا دائماً تحاولين أن تكسبي أكثر؟"»

التفتت الفتاة نحو الشاب، فكّرت قليلاً، ربما كان الجواب واضحاً، كانت تعرفه أكثر من أي شخص. ثم تحدثت بصوتها الرقيق الهادئ كاسرةً هذا الجو من الصمت:

«"الأمر فقط... إنه قصة طويلة جداً. لا أمانع أن أخبرك، لكن هل أنت مستعد لسماعها؟"»

حدّق في الفتاة لبضع ثوانٍ، ابتلع ريقه بهدوء. كان في الواقع يريد أن يقول لا، متجنباً الحوار الذي يجب أن يتخيله أو السيناريوهات التي في عقله التي يجب أن تقولها. كانت فكرة هذا تزعجه، لكن الفضول كان أكبر. ضحك في قرارة نفسه، آخر مرة جعل فيها فضوله يتملكه عرف سراً لا يجب أن يعرفه أصلاً. واصلت ضحكاته لكن مع ذلك لا يمكنه مقاومة ذلك، متمنياً في تلك اللحظة ألا يكون هذا جيداً ولو حتى بجزء بسيط. قال:

«"نعم، أودّ حقاً أن أستمع إلى قصتك يا سيرا"»

ابتسمت الفتاة ابتسامتها الرقيقة الحنونة وقالت:

«"إذاً لنبدأ في سرد هذه القصة"»

✧ ملاحظة المؤلف ✧

عيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بخير. أعاده الله علينا وعليكم بالصحة واليمن والبركات. دمتم في أمان الله.

2026/05/27 · 14 مشاهدة · 1748 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026