الفصل الثامن عشر: «أشفيرد»

قبل أن تبدأ الفتاة في سرد تلك القصة الطويلة والحزينة، التي تحتوي فقط على معاناة هذا العالم، وليس عن أوهام تافهة، قالت:

«"ولكن قبل كل شيء يجب يا كاين يجب أن نرجع أربع سنوات، عندما كان سني وقتها خمس عشرة سنة. عندما كنت في مدينة اشفيرد."»

أدارت بصرها بعيداً كأنها تستحضر ذكرى بعيدة.

«"تلك الذكريات... تلك المصانع... تلك البيوت... الدخان الذي يملأ كل ركن، المصانع التي تعمل ليلاً نهاراً، السماء الداكنة الرمادية. لو رفعت حتى عينيك لن تستطيع رؤية إلا الرماد، حتى أشعة الشمس تكاد أن تكون معدومة. القطارات، الناس الذين يتدافعون على قطع الخبز الرديئة... كل هذا. يا لها من ذكريات جميلة!"»

ابتسمت ابتسامة خافتة تحمل ما لا تحمله الكلمات، ثم واصلت:

«"نعم، أتذكر هذه المعاناة. لا يجعلني أفكر في الماضي الذي تجاوزته طالما أنني هنا. هذا يعني شيئاً واحداً: أن ذلك الماضي نُسي وبقي الحاضر الذي يجب عليّ العمل من أجله. أما أنا، فقط كنت أعيش في الضواحي الغنية بعض الشيء، ربما كانت كذلك، لكن كان منزلنا عادياً. لكن في تلك المنطقة كان مثله كنزٌ لا يُرى، يحتوي على طابقين، أربع غرف نوم، وبالطبع صالة للضيوف ومكان للطهي. في ذلك المكان قد يبدو هذا مثل الحلم الذي يطمح إليه أي متسول هناك. حسناً..."»

أسندت ظهرها للكرسي وابتسمت ابتسامتها المعتادة ثم قالت:

«"الآن سوف نبدأ هذه القصة"»

نظر إليها كاين بنظرة متعجبة مائلاً رأسه قليلاً ثم قال:

«"ولكن ماذا سيُهمّ طابع المدينة وأجوائها؟ أعني أنني لا أسخر منكِ، لكن كيف هذا له دخل بعملك الجزئي؟"»

رمقته سيرا وكأنها توقعت هذا الرد تماماً، مسندةً خدها على راحة يدها:

«"ألم أخبرك يا كاين أن هذه القصة طويلة؟"»

«هاااا»

انطلقت تنهيدة طويلة منها ثم أكملت:

«"من المستحيل أن تعرف السبب إلا عندما تنظر إلى القصة بجميع جوانبها، وأهم جانب قد لا يراه الإنسان هي البيئة. فمن دونها لا تستطيع أن تصنع الإنسان الذي أنت عليه الآن"»

أومأ كاين برأسه متأسفاً على ما بدر منه محوّلاً بصره قليلاً.

غير مكترثة واصلت:

«"في شقة متهالكة، طابعها الخشبي ولونها الداكن الذي يطغى على كل ناحية، لا يوحي إلا بالقِدَم، على الرغم من أنها لا تحتوي على شقوق تُذكر. لا تحتوي إلا على سرير ومكتب خشبي من الجهة اليمنى، ونافذة تطل على العالم الخارجي، ربما قد تلاحظ بعض الأنابيب لكنها لن تكون مهمة. في هذه الأثناء بدأت شابة تستيقظ من نومها، بشعرها الأحمر الذي يبعث على الإشراق، وعيناها الحمراوان اللتان تبعثان شعوراً بالراحة وسط هذا السكون."»

أخذت الفتاة النائمة نفساً هادئاً ثم رفعت نفسها من الفراش بكسل، زافرةً بهدوء غير مكترثة بالمنبه الذي كان يرن قبل دقائق، قبل أن تُطفئه بيدها وهي تفرك عينيها قليلاً. نظرت إلى جسدها الذي كانت ترتدي فستاناً أسود طويلاً وتحته سروالاً أسود فضفاضاً، كان هذا يغطي كامل جسدها. غير مهتمة بملابسها نهضت متجهةً إلى غسل وجهها ثم أسنانها. بعد ذلك شرعت في تغيير ملابسها، قميص أزرق وسروال أزرق يتناسب معه.

بينما كانت تُحدّق في وجهها في المرآة لم تتفاجأ كثيراً، فقط حركت رأسها بتكاسل. كان واضحاً السواد من عينيها نتيجة السهر، وشعرها المبعثر في كل مكان. ربما الشيء الوحيد الجيد هو وجهها الجميل. لم تمكث طويلاً بل غادرت غرفتها منطلقةً إلى الطابق السفلي.

«"آه، مرحباً يا أمي! هل يمكنكِ إعداد قهوة صباحية؟"»

كان منظرها يُقارب الثلاثينات إلى الأربعينات، جميلة بشكل لا يتناسب مع عمرها، شعرها أسود وعيناها الخضراوان توحيان بالغموض والرقة في الوقت ذاته.

رمقتها الأم قبل أن تُدير رأسها ثم ردت:

«"كما تشائين يا عزيزتي سيرا، لكن ألم أقل لكِ ألا تسهري كثيراً وأنتِ تشاهدين المسلسلات؟"»

تنهدت سيرا بخجل وهي تُقلّب أفكارها فيما يجب أن تقول:

«"حسناً، كان يُعرض مسلسلي المفضل! تعرفين الحلقة الأخيرة، كيف يمكن أن أفوّتها؟"»

زفرت الأم مدركةً أنها لن تستطيع تغيير رأي ابنتها.

بينما كانت سيرا تجلس على الكرسي تنتظر قهوتها، لم تسمع إلا صوت خطوات دقيقة جميلة تنحدر من السلالم بثبات.

التفتت إلى الخلف لم ترَ إلا فتاة تُشابهها وكأنها نسخة منها، لكن في حجم أصغر، أضف إلى ذلك جاذبيتها الأعلى بفارق، ونعومة الطفولة الرقيقة التي لا تزال تلوح عليها.

رمقتها سيرا وهي تُخطط لما يجب أن تقوله، ثم ابتسمت بمكر:

«"هانا! لماذا تأخرتِ؟ لا تخبريني أنكِ تسهرين مثلي!"»

«"انظري يا أمي! أنا لست الوحيدة التي تسهر! فلماذا تُعاقبينني أنا وحدي؟"»

تنفست الطفلة بعمق ثم تكلمت بهدوء:

«"أنا ببساطة أدرس، ليس مثلكِ، أتعلم وأسلك مساراً صحيحاً"»

كانت سيرا تريد أن تُشعل خلافاً مع أختها الصغرى، لكن يا للمصادفة وصلت الوجبة الصباحية في الوقت المناسب! لم تكن عبارة إلا عن قهوة بالحليب معها بعض البيض، وبالطبع قطع من اللحم، أضف إلى ذلك قطعة من الخبز الطري. كان هناك أيضاً واحدة لأختي.

لم أُفكر في أي شيء، فقط شرعت في التناول، ولك ربما لأن صوت معدتي كان يقرقر من كل مكان!

بينما أخذت في التناول، لم أسمع إلا صوت أختي هانا بنبرتها الرقيقة الصغيرة:

«"أمي، ألا يُفترض أن يعود أبي اليوم؟ المرة السابقة قال إنه سوف يعود اليوم"»

تنهدت الأم ثم قالت:

«"نعم، سوف يعود اليوم، فيكتور الذي تأخر كثيراً فقد وعدني بذلك. حسناً، عندما يصل يستحق على الأقل هدية أو حفلة!"»

كان واضحاً من وجه هانا أنها كانت على وشك البكاء. في النهاية كانت الأكثر تعلقاً بأبيها، ربما لأنها كانت الآن في الثانية عشرة من عمرها فقط.

رمقتها سيرا بحنان، وضعت رقبتها جانباً بهدوء ثم نهضت من الكرسي الخشبي متجهةً نحوها، محتضنةً أختها الصغيرة ومُومئةً برأسها وهي تواسيها. لم تستطع الأخت إلا أن تذرف دموعاً، قطرات صغيرة هادئة لا تكاد تُرى.

كان ذلك لأنها في السابق لم يكن لديها من يواجه ذلك الألم معها، فالبكاء وقتها كان ضعفاً. الآن عندما وجدت أختها سيرا، وجدت شخصاً تثق به، وكأنها وجدت الشخص الداعم الذي يمكن أن يبقى معها.

بعد مرور بعض الوقت

«"ألا ينتهي هذا الغسيل؟! كم عددها بالحق؟!"»

بينما كانت تعلق الملابس المغسولة على سلك معدني حديدي، لم يرَ أحد إلا الانزعاج الواضح في وجهها. على العكس أمها التي كانت تقوم بعملها وهي الخياطة، وأختها التي تدرس، فكانت هي التي تغسل وتنظف. ومع ذلك كان يُزعجها!

«"آه، كرهت هذه الحياة الروتينية! إنها مُملّة جداً!"»

بزفيرة كسولة شرعت تُنهي عملها وأخيراً انتهت! استلقت على الأرضية الخشبية ناظرةً بعينيها إلى السقف سارحةً في خيالها.

كانت تُفكر في هذه المدينة المتهالكة، أو في حالتهم، هل هي جيدة نوعاً ما؟ لكن مع ذلك تتمنى حياةً أفضل. أو حتى كانت تشتاق حقاً لرؤية أبيها، لم تره منذ سنة تقريباً.

بعد هذه الأفكار لم تستطع سيرا إلا أن تسرح بخيالها نحو ذكرياتها معه. كان دائماً بجانبها، ربما ليس كثيراً، لكن دائماً لم يبخل عليها بأي شيء. في الواقع كانت تحترمه بدرجة كبيرة. هو كان يقاتل في ساحة المعارك ليكسب بعض المال الذي كان ذلك لكي يجعل حياتهم أسهل، فهو يُخاطر بحياته كل يوم، لا تعرف إذا كان سوف ينجو أو سوف يموت.

كان دائماً يضحك تلك الضحكة البشوشة، على الرغم من جروحه وكدماته التي تظهر بوضوح، لم تفارق ابتسامته المشرقة وجهه. أحياناً كان يُريها بعض التقنيات التي تعلمها، وأحياناً أحضر لهم بعض الأدوات السحرية القيمة مثل القلادات والزينة.

هذه الذكريات لا تجعلها إلا تشتاق إلى أبيها أسرع.

سمعت صوتاً يُخرجها من أفكارها:

«رنين... رنين... رنين...»

كان صوت رنين الباب الذي يُبشّر بقدوم شخص.

لم تجد سيرا إلا أن تنهض وتمشي نحو الباب الخشبي، فلم يكن هناك أي شخص يفعل هذا الآن. كانت أمها تنهمك بالخياطة أما أختها فتدرس، ببساطة كانت هي الوحيدة التي لا تفعل شيئاً ولهذا تقدمت لفتح الباب.

بدأ قلبها يتسارع شيئاً فشيئاً، ربما بسبب اللهفة أو بسبب الشوق. نهضت من مكانها متجهةً نحو الباب، لكن عندما وصلت إليه، عندما مدت يدها نحو المقبض، لم تستطع الفتح.

في الواقع كان هناك تردد واضح.

«ربما لم يكن هو... ربما كان شخصاً آخر...»

ضغطت شفتيها ببعضهما، كانت ربما لا تنتهي في رأسها.

أغمضت عينيها للحظة ثم أخذت نفساً هادئاً.

لكن في النهاية قررت أن تجمع ما تبقى من شجاعتها وتفتحه على نهايته، ليس لأن

ها تحب ذلك، بل لأن هناك أملاً. وماذا يجعل الأمر أكثر إيلاماً من هذا؟

فتحت الباب الخشبي، متمنيةً في أعماق نفسها أن يكون هو.

2026/06/07 · 7 مشاهدة · 1249 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026