الفصل الثالث والعشرون: «لقب»
«بعد أن انتهى آدم أخيرًا من التفكير، لم يسعه إلا أن يسقط على الطاولة الخشبية بثقل جسده كله. كان منهكًا من كل أفكاره. في الحقيقة، لم يكتب أي شيء، بل فقط كان يفكر. فلو كتبها كلها، لكان قد أغمي عليه حقًا من التعب. أطلق ضحكة خافتة وهو يلامس جبهته سطح الطاولة البارد، لكنه لم يتحرك. زفر ببطء. ثم زفر مرة أخرى.»
«ومع ذلك، كان هذا الشعور بالراحة جميلاً إلى حد كبير. كان لعدة أسباب: أولاً وأهمها بالطبع، الاسترخاء من هذه الأفكار اللعينة والمنطقية في نفس الوقت. أما السبب الثاني، فبكل سهولة، كان الراحة. جعل جسدك يسقط، أفكارك تتلاشى، وعيك يسقط، جفناك يثقلان شيئًا فشيئًا حتى تكاد تنغلق عيناك من النعاس. كان الأمر جميلاً جدًا، بسيطًا، ولكن أيضًا جذابًا. مد ذراعيه ببطء، ثم تركهما يسقطان على جانبيه مثل قطعتين من مطاط .»
«لكن، وكما هي العادة، لم يتركه الشبح مسترخيًا.»
«ظهر صوت آش فجأة في أذنه، حادًا كإبرة: "أوه... يا آدم. هل انتهيت الآن من أفكارك؟ ظننت أنك سوف تعلق هناك. حسنًا... انهض. أيها وغد. لا تخبرني أن مجموعة من الأفكار تسقط عقلك تماما."»
«فتح الشاب عينيه ببطء. كان الانزعاج يشد جفنيه. رفع رأسه كأنه يرفع منزلاً، ثم فرك عينيه بأطراف أصابعه بضجر. قال بصوت أجش: "يا آش... ألا يمكنك يومًا أن تكون لطيفًا، هادئًا؟ تجعل الأمور تمشي وكأنك لم ترها؟"»
«"أنت دائمًا هكذا. إذا جعلت اليوم يمشي، فسوف يتكرر غدًا، ويتكرر اليوم الموالي، ويبدأ يتكرر إلى أن يصبح هذا عادة. وأنا لن أجعل هذا يحدث. هل تفهم؟ إذا سامحتك اليوم، فسوف أسامحك غدًا، وعندما يصبح عادة..."»
«"تعرف أن هذا لن يحدث. أعني... أنت لطيف كل يوم. هذه في أحلامي ولم أرها، ناهيك عن واقع."»
«"حسنًا، توقف عن هذا. أخبرني بما فكرت، إذا أصلًا كانت فكرة جيدة. لا أتوقع هذا منك أصلًا. كما تعلم يا آدم... أفكارك دائمًا تؤدي إلى الكوارث."»
«ابتسم آدم ابتسامة ماكرة وهو يفرك عينيه بأصابعه. ثم نظر إلى آش من زاوية عينه. شعر أن الفكرة تتشكل في رأسه أخيرًا، وكأنها شيء يمكنه أن تمسك به. قال: "فكرتي... هي إنشاء لقب."»
«نظر إليه آش بتساؤل صامت. "لماذا لقب؟"»
«ابتسم آدم. هذه المرة كان هناك شيء مختلف في ابتسامته، مال برأسه قليلاً ثم قال: "لأنه... من دونه... فلن يكون هنالك معنى لوجودي."»
«نظر إليه آش بسخرية لاذعة. مال برأسه الجانبي وكأنه يحلله: "آه... هل أنت لديك حتى معنى لوجودك؟"»
«"طبعًا، أيها اللعين."»
«"إذاً... أخبرني من فضلك، لأنني أحمق لا أعرف."»
«"هذا وغد يستمر في إغضابي..." تمتم آدم وهو يشبك أصابعه معًا بقوة. أحس بكل شيء يحدث في جسده. ثم تابع: "حسنًا يا آش... المعنى من وجودي هو... الانعزال عن العالم."»
«"هل هذا أصلًا معنى؟"»
«وابتسم أش مواصلا الكلام، ولكن هذه المرة بسخرية لاذعة. رفع حاجبًا واحدًا: "أوه... نعم بالطبع. فهذا هو آدم، السيد الوجود العدمي الذي ليس لديه أي فائدة."»
«لم يتكلم الشاب أبدًا بل فقد صمت. في أعماق خياله، كان يصرخ. ضغط بأسنانه ثم أرخاها: أتمنى فقط لو يفهم أي شخص معاناتي. لو أي شخص يستطيع رؤية هذا. وغد سبع سنوات وأنا أستمع إلى هذه السخرية. أريد فقط يومًا، ويومًا واحدًا، ربما لأسترخي، لكي أسترخي من جميع هذه الحياة. هل يجب أن أقتل نفسي فقط؟ لا، لدي الكثير من الأشياء التي أفعلها. زفرة طويلة، وكأنه يطرد الفكرة من صدره، ثم هز رأسه ببطء.»
«ثم رفع عينيه. كان فيهما بريق . قال: "اللقب الذي أتحدث عنه يا آش... هو الدليل الأول على أنني أثبت وجودي للعالم."»
«"ولماذا اللقب سوف يثبت وجودك؟"»
«"ببساطة... لأنه الرمز. الشخصيات الثانوية... لن يتذكر أي شخص اسمها أبدًا. بل سوف يتذكرون لقبه؟ لأنه انعكاس لنفسه."»
«"آه... أنت جيد في التمثيل يا آدم. حسنًا... قل أنك فقط تريد اسمًا رائعًا مهيبًا، أليس كذلك؟ بدلاً من هذه الانعطافات."»
«"حسنًا... أنت على حق. ولكن... كيف عرفت؟"»
«"بالطبع، فأنا صديقك. أعرفك وأنت في العاشرة. كيف لا أعرف ماذا تفكر فيه؟"»
«"حسنًا... لنبدأ في التفكير بلقب مخلد."»
«أبعد آدم رأسه عن الطاولة متجهًا إلى الكتاب مجددًا. فتحه على إحدى الصفحات العشوائية. أمسك بالقلم. نقره على الطاولة مرتين. بدأ يكتب بخربشات سريعة: فكر في لقب جيد.»
«"آه... وجدته. قاطع الأقدار."»
«نظر إليه آش بتكاسل. وحرك يده في الهواء كأنه يتكلم بإشارات يده: "هذا اسم مكرر. أعرف، لقد سمعته مرارًا وتكرارًا. أريد شيئًا فريدًا."»
«"ممزق خيوط القدر... آه... ما رأيك في هذا؟"»
«"ربما جيد، ولكن ممل جدًا. وأيضًا، بحقك، هل تسمي هذا شيئًا فريدًا؟ لقد فقط جعلت ممزق وأضفت خيوط. أين الابتكار بحقك؟"»
«"فاقد المصير الأبدي."»
«"حسنًا... بحقك، أخبرني ما الذي يمثل فيك هذا اللقب؟ بعيدًا عن هذه الألقاب اللعينة التي لا تمثلك أبدًا. فما هو دخل هذا الاسم بك؟"»
«"آه... معك حق. يجب أن أفكر جيدًا."»
«وهكذا توالت الأسماء واحدًا تلو الآخر. بدأ الشاب يفقد صوابه. لا، يجب أن تغير هذا الحرف. لا، مكرر. لا، ليس فيه تنوع. هل تسمي هذا ابتكارًا؟ هكذا توالت تعليقات آش الساخرة، تطعن كل محاولة. رمى آدم نفسه مجددًا على الطاولة برأسه، مستسلمًا تمامًا. أحس بخشب الطاولة البارد يعيده إلى الواقع. كان قلبه يخفق بضجر. تحدث بصوت مكتوم: "لماذا لا تخترع لقبًا أنت فقط؟ بدلاً من قول لا... لا... لا..."»
«"تريد مني أن أخترع لقبا؟ لقد اخترعت الكثير من التي ترمز لوجودي. إضافة واحد لن يكون له معنى، بل فقط زيادة ترويجية بحت. لن أضحي بهذه المهزلة من أجلك."»
«"وأيضًا... ألا تحب ابتكار شيء من نفسك؟ ظننت أنك أفضل من هذا يا آدم."»
«كان آش يقول هذه الكلمات غير مهتم بمشاعر الشاب. كل كلمة كانت تطعن جزءًا من قلبه، محطمة تمامًا، فاقدة للشغف. بدأ آدم يفكر، وعقله يضغط على نفسه. وضع يده على جبهته. فرك رأسه ببطء: ماذا؟ ماذا يجب أن اخترع؟ لقب أنيق أم... ربما... حقًا أنا فاشل جدًا.»
«بينما كان الشاب على وشك أن يفقد الأمل، تذكر شيئًا. وكأنها لمحة خاطفة، بدأت عيناه تتوهجان. بريق طفيف، ثم اتسعت حدقتاه ببطء. رفع رأسه فجأة. انفرجت شفتاه عن ابتسامة صغيرة. قال بصوت هامس: "يبدو أنك... يا هيون... دائمًا سوف تساعدني."»
«متذكرًا أحد مقولاته العظيمة التي نحتت في ذاكرته، لا، بل حفظها عن ظهر قلب. بدأ يرددها في ذهنه، وعيناه تحدقان في الفراغ. ثم خرجت الكلمات من شفتيه بصوت خافت ولكنه ثابت:»
«"المصير يعيد كتابة نفسه. كلما ظننت أنك تغلبت عليه، يعود من مكان آخر. لا يمحى. لا يغفر. أنا لا أحاربه لأنني أريد إنقاذ العالم. لا يهمني العالم. أنا أحاربه لأنني لا أحتمل أن يكون أحد غيري يكتب قصتي. أنا حر. ولو كان الثمن أن أصبح منبوذًا، وخرابًا، ومنسيًا. هذا هو عالمي. هذه قوانيني."»
«بعد هذه الكلمات التي قالها، بدأت الأفكار تتجمع في ذهنه كقطع صدأ متناثرة تجد أماكنها فجأة. يعيد التفكير فيها، بعمق أكبر مما سبق وكأنه سوف يحدد حياته به. كان يتنفس ببطء، وفجأة... وجد أخيرًا ما أراده. اللقب الذي سوف يغير مصيره. لا، بل سوف يعيد كتابة قدره نفسه. إنه هو.»
«وقف فجأة. شهق. ثم صرخ بأعلى صوته: "قاهر الفناء الأعمى!"»
«أعاد اللقب، يتردد على كامل أرجاء الغرفة، وكأن الجدران نفسها استمعت له لأول مرة. سقط الصمت فجأة. كان يقف هناك، ثابتًا. نظر إلى آش بعد فترة. تكلم.»
«لم يسع الشاب إلا أن تظهر عليه ابتسامة تخترق وجهه من كل ناحية. أحس بشيء دافئ يملأ صدره. كان الشعور الذي يحيط به فخرًا ليس له مثيل. ضحك بصوت عالٍ. ضحك من أعماقه. فقد حقق إنجازًا تاريخيًا سوف يبقى.»
«حتى لو كان الشخص الوحيد الذي يعرفه، لأنه كان يمثل وجوده، أمله، وأيضًا إصراره. شعور الفشل ثم الفشل ثم الفشل، ثم ابتكار شيء جذاب. الأمر وكأنك تحلق في هذه السماء طائرًا غير مقيد لكي تستكشف. سعيدًا لهذا، لأنه أخيرًا... لقد تمكن من إنشائه بنفسه، وبتعبه، وبجهده. تنفس بعمق. شعر أن الهواء نفسه قد أصبح معه.»
«نظر إليه آش. كان صوته أكثر هدوءًا هذه المرة: "حسنًا... يبدو أن هذا لقب جيد نوعًا ما. لقد أعجبني. يمكنك أخذه. لكن... لماذا أحس أنك اقتبست هذا اللقب من أحد الألقاب التي أنشأتها؟"»
«ابتسم الشاب. كانت عيناه تلمعان بخبث خفيف. رفع كتفيه بلا مبالاة ثم قال: "ربما... من يدري؟ المهم... أصبح لدي لقب. ربما ليس جميلاً، أو ليس مبدعًا، ولكنه يحتوي على الجوهر الذي أريده. الشخص الذي سوف يقهر الفناء، يحاربه، ولكن مع ذلك، كأعمى... لا يستطيع أن يرى أي شيء. لا مستقبله، لا مصيره. مثل ضائع. كان هذا ما يريده."»
«وبما أنه استقر عليه، سوف يردده في كل مكان.
مسح الغبار عن كتفه. إلى أن يصبح يومًا ما... أحد الشخصيات الثانوية التي يتحدث عنها هذا العالم.»