الفصل السابع والعشرون: «صديق القديم»

فتح الشاب عينيه على مصراعيها، لم يكن قادرًا على النطق بأي كلمة، أو حتى التفكير فيما يجب أن يقول. كل ما فعله هو أن أرجع بصره وجهه إلى شاشة العرض.

لم يستغرق الأمر طويلاً، إذ بدأ وجه يظهر من العالم، وكأنه كان موجودًا من قبل، في مكان آخر في هذا كون.

خارج مركبة مدرعه.

من الداخل، كان اللون الأسود يحيط بكل أجزاء المعدن الفولاذي، صلب ورقيق في آنٍ واحد. وفي المنتصف، وجدت إضاءة بيضاء خافتة تنير المكان، جاعلةً من في الداخل يخرج أخيرًا من الظلام. كان جالسًا على الأرض الفولاذية، متنهدًا وهو يمسح جبينه بيد مرتجفة.

هااا.

زفير.

كان شاب في منتصف العشرينات، مرتكز بظهره على الجدار المعدني. شعره أبيض قصير، عيناه زرقاوان تنيران المكان، وبشرته بيضاء متناسقة مع جماله. ملامح الإرهاق بدت واضحة على كل زاوية من جسده، حتى العينان كانت تحيط بهما هالات داكنة كأنهما تتوقان إلى النوم. ورغم هذا كله، علت وجهه ابتسامة صغيرة.

سمع في ذهنه:

«جوليان، هل أنت تسمعني؟»

أخذ يحرك رأسه للأعلى، متجهًا ببصره إلى اللا مكان، مكررًا الحركات نفسها مرارًا وهو يفرك عينيه. ثم هز كتفيه وقال بصوت خافت:

«آه، يبدو أنني بدأت أصاب بالجنون لدرجة تخيل أصوات لم توجد.»

ضحك ضحكة خافتة، خافضًا رأسه لينظر إلى كفيه: «لكن كيف لا أصاب به؟ لم أنم منذ أسبوع كامل. ثم إن غفوت، لا أتوقع أنني سأستيقظ مجددًا.»

كرر الصوت الظهور، لكن نبرته صارت أكثر حدة:

«يا جوليان، أنا آدم، صديقك المفضل. هذا ليس وهمًا.»

بعد أن أكمل كلامه، همس جوليان في نفسه وهو يحك مؤخرة رأسه:

«المشكلة أصبحت أسوأ حتى أني أتخيل أن صديقي يكلمني. عليّ أن أكون حذرًا، لو حدث هذا في ساحة المعركة فسأموت.»

لم يتوقف الصوت، بل تابع إعادة كلماته دون انقطاع:

«يا سونغ هيوك، هل حقًا لا تعرف صديقك آدم؟»

استدار الشاب برأسه بعد أن التقط آخر كلامه. ظهرت على وجهه ملامح الدهشة، رافعًا حاجبيه. فكر في ذهنه: اسم سونغ هيوك لا يعرفه أحد هنا، هذا اسمي الثاني، ما لم يكن أحد أصدقائي.

صفع وجهه بكفه، ثم تكلم هازًا رأسه:

«أوه، لا تنخدع يا جوليان، يبدو أن عقلك يحتاج إلى نوم.»

تنهد الصوت بانزعاج، وكأنه يفرك جبهته بأصابعه:

«حسنًا، ماذا أفعل لكي تصدق أنني صديقك آدم؟»

بعد أن سمع الشاب محاولة الصوت المجهول لأخذه، يئس وتكلم فاتحًا كفيه باستسلام:

«آه، إذًا إن كنت أنت حقًا آدم، فأعطني أدلة تؤكد ذلك.»

ابتسم الصوت عند سماعه الكلام الذي طالما أراده.

كان يفكر الصوت في أعماق نفسه: يريد أن يقول الكثير. هل يتحدث عن أول لقاء في الثانوية؟ أم عن عيد ميلاده؟ لونه المفضل؟ حتى أسراره العائلية؟ لا، هذا لن يجدي. لو أخبره بأول لقاء فلن يكون كافيًا، وعيد الميلاد يعرفه الجميع. والأسرار لا يرغب في قولها حتى يثبت نفسه. إذًا، ماذا يقول؟ فكر يا آدم.

انتظر، كم كنت غبيًا، وجدتها! كيف لي أن أنسى؟ هل لأنني قضيت شهرًا ونصف في هذا العالم؟ لا بأس، من المستحيل أن جوليان نسيها. لنقلها فقط.

شرع الصوت يتكلم، وقد أصبحت نبرته أهدأ، ناعمة ورقيقة، وهو يضغط بيده على صدره:

«"النور والليل لا يجتمعان، لكنهما وجهان لعملة واحدة. هكذا نحن. لسنا إخوة، لسنا أصدقاء، لسنا عائلة. لكننا نتشارك كل شيء... الحياة والموت في آنٍ معًا."»

بعد أن أنهى كلمته، لم يسع الشاب إلا الدهشة، حتى كادت عيناه تنهاران، رافعًا يده ليغطي فمه. تكلم بصوت منكسر يكاد لا يُسمع:

«أيها الوغد، ظننت أنك ستبقى نائمًا للأبد، لكنك الآن تكلمني.»

ابتسم الشاب الآخر، محاولاً إخفاء وجهه بيده، مواصلاً كلامه:

«هل تعرفه؟ كم بحث عنك عندما وجدك نائما مغمى عليك. ثم قالوا لي: حسنا، إن حالتك بين حياة وموت. ثم، احزر، أسمع الآن صوتك في عالم ثانٍ.»

بعد هذه الكلمات، خيّم الصمت بين الاثنين، صمت ثقيل يحمل أكثر مما تحمله الكلمات.

تكلم ادم بصوت حزين منكسر بعد كلام صديقه، خافضًا رأسه ناظرًا إلى يديه:

«أنا آسف حقًا. لم أعلم أن كل هذا سيحدث، لقد وجدت نفسي في عالم آخر.»

بعد أن أنهى كلامه، أخذ آدم يفكر في نفسه وهو يفرك صدره بأصابعه:

«كنت متوقع نوعًا ما أن هذا سيحصل بي. وبعد كلمات جوليان، أصبحت جازمًا بما حصل لجسدي عندما انتقلت إلى جسد كاين. فكرت في احتمالات عديدة: أولها أن جسدي الأصلي قد اختفى، الثانية أن زمنه قد توقف، أو بالأصح قد اختلف، وثالثًا أنني في غيبوبة. لعنة، طبعًا دائمًا ما تنال مني الأسوأ. لا بأس، لست مهتمًا بهذا.

لكن ما يشغل تفكيري هو ما الذي فعله أصدقائي؟ لا أتخيل انكسارهم وحزنهم، ناهيك عن عائلتي التي تعتبر أسوأ بمراحل. ربما لم يناموا أبدًا من ذلك اليوم، أو لم يتوقفوا عن البكاء. وتفكيري في حالة جسدي... كم صرفوا في المستشفى ليبقون على قيد الحياة.»

محاولاً منع نفسه من البكاء على هذه الحالة الميؤوس منها، فردد في أعماق ذهنه وهو يمسك برأسه بكلتا يديه:

«ماذا فعلت بحق الجحيم؟»

تكلم جوليان أخيرًا، مزعزعًا صمت المكان:

«يا آدم، أين أنت الآن؟ وما هي حالتك الآن؟»

عندما سمع آدم جوليان أخيرًا يتكلم، خرج من أفكاره احترامًا لصديقه. محاولاً إخفاء مشاعره، تكلم بصوت هادئ يبعث على الحيوية، رافعًا رأسه:

«أنا في منطقة فريست تحديدًا، في حصن يدعى أمبرا. أما حالتي فهي بأفضل ما يكون، حقًا.»

أشرق وجه جوليان بعد سماعه لهذه الأخبار، ثم قال بصوت معتاد، يومئ برأسه:

«يا آدم، يبدو أننا في المنطقة نفسها.»

تكلم الشاب بصوت متفاجئ وقلق في الوقت نفسه، ناهضا من مكانه:

«أنت في منطقة فريست؟ أخبرني بمكانك حالاً، ربما آتي إليك.»

ابتسم جوليان بعد أن أحس بهذه الكلمات، أرجح رأسه قليلاً رافعًا كفه، تكلم:

«لا تزعج نفسك في البحث عني، فأنا أصلًا لن أمر من ناحيتك. نحن في نفس المنطقة، لكنني ذاهب إلى منطقة تدعى المملكة المقدسة.»

اندهش آدم وهو يفكر في ذهنه واضعًا يده على ذقنه:

«هذا منطقي٬ فبالطبع لن يستطيع القدوم إليّ. السبب الأول، هو لديه مهمة يجب أن يكملها، ينهي السيناريو.

وعلى ما قاله للتو، فيبدو أنها نقل لشيء. لكن أنا حقًا متسائل: ما هو الشيء الثمين لدرجة أنهم يذهبون إلى المملكة المقدسة؟ فهي في النهاية من أكثر الأماكن المشهورة.

لكن هذا يفتح احتمالات أخرى٬ الأكثر ترجيحًا، هم فقط للبيع، ربما تجارة أو متجر في مملكة عهد النور السامي، لديها الآلاف من التجار يوميًا. وهذا أيضًا منطقي، فالسيناريو لن يكون مهمة مستحيلة أو صعبة لتلك الدرجة.

ولكن إذا كان نقل شيء يخص المملكة، اي هي من طلبته، فالأمر سيختلف تدريجيًا. ولكن لتدرك فقط، قد يصل الكنز الذي تطلبه المملكة إلى المستوى 10 نجوم. ولو حصل هذا الاحتمال الثاني، فستكون المهمة انتحارية، الوحوش ستهاجمهم من كل حدب. أو ربما شيء لم أفكر به: إيصال نبيل، ليس بالشرط أن يكون كنزًا.»

«حقًا، لقد تعبت من التفكير في هذا٬ ولكن هل أنا أعمى؟»

أعاد آدم النظر إلى جوليان بتفحص ليحلل المظهر الجديد، محددقًا بتركيز.

نطق آدم بصوت خافت، مشيرًا بيده نحو الشاشة:

«كيف لم ألحظ هذا؟ شعره تغير لونه من أزرق إلى أبيض فجأة. أضف إلى ذلك، هناك هالات داكنة على وجهه، ملابسه ليست نفسها. ربما الشيء الوحيد الجيد هو وجهه المعتاد الذي لم يتغير أبدًا. ولكن ما الذي حصل لجوليان حتى...»

لم ينتظر الشاب، بل أعاد طرح سؤاله الذي فكر فيه رافعًا حاجبيه:

«جوليان، كيف تغير لون شعرك إلى الأبيض؟ وما هذه الملابس التي ترتديها؟»

«انها مجرد سمة تغير شكل شعري. أما الملابس، فارتديتها بسبب الجو القاتل، تعرف منطقة فريست هي مستنقع البرودة.»

«حسنًا، يبدو هذا طبيعيًا٬ أنت أفضل مني كثيرًا.»

«لماذا تقول هذا؟ هل هناك مشكلة قد حصلت؟»

«لا، أقصد أن وجهي قد تغير بعض الشيء، ليس كثيرًا، اعتبرها زيادة في الجمال قليلاً.»

ضحك ادم في نفسه وهو يهز رأسه: «زيادة بسيطة؟ لقد تغيرت بحيث لا يمكن التعرف عليه. عيناي، شعري أصبحا مثل النحت، مثاليان بدرجة الكمال، لا يمكن التفريق بينهما.»

بعد إنهاء كلامه، فكر آدم للحظة في الأشياء التي يجب أن يقولها: في الواقع، كنت متحمسًا في البداية، لكن لا أعرف حتى هل أسأله: ماذا حصل؟ كيف الأمور؟ لا، هذه الأمور سطحية جدًا.

إذًا ماذا؟ بعد تفكير لوهلة، وجد الشاب ضالته وهو يرفع سبابته.

معيدًا نظره إلى صديقه من نافذة نظامه، تكلم بصوت منكسر، خافضًا بصره:

«أنا آسف.»

نظر إليه الشاب بتساؤل، غير موقفه مباشرة رافعًا حاجبيه:

«على ماذا تتأسف؟»

«لأنني لم آتِ إلى الموعد الذي اتفقنا عليه.»

«أي موعد تتكلم؟»

«أقصد ذلك الذي كنا سنذهب إليه جميعًا. لا أتذكر بالطبع، لقد نسيت تقريبًا حتى التاريخ. الشيء الوحيد الذي اتذكره أنه كان قبل شهرين من الآن، أو شهر ونصف.»

«حسنًا، اتضح أنني عرفته، فقد كان الأخير. لكن آدم، تعرف أنك أول شخص قد حضر، فلماذا الآن تقول إنك لم تأتِ؟»

تغيرت نظراته فجأة، معيدًا سؤاله رافعًا رأسه بسرعة:

«ماذا؟ أنا حضرت ذلك اليوم؟»

«نعم، والأمر الغريب أنك كنت أول شخص، فهذا ليس من عاداتك، دائمًا تتأخر كثيرًا عن الموعد المقرر.»

«هل أنت تمزح معي الآن، أم أنك تتكلم بجدية؟»

«أنا لا أمزح، حقًا. لانني تتذكر ذلك اليوم وكأنه كان البارحة؟»

عند سماع هذه الكلمات، لاحظ آدم تغيّر شيء ما في نبرته، ضائع وقلق في نفس وقت . قد تظهر هذه المعلومة هامشية لأي شخص آخر، لكنها ليست كذلك لهذا الشاب الجالس هنا الآن

كان يُفكّر: ربما هذا هو، أشياء مُحيت من ذاكرتي٬ لكن هل يُمكنني التحقق؟ من المستحيل. لا، حين أقولها أعرف ما أقول٬ أنا لم أذهب إلى ذلك الموعد. إذاً من كان ذلك الشخص؟ هل له صلة بي؟ أم هو أنا بشكل ما؟ من يكون؟ اللعنة. هل يُمكن أن يكون الآن في جسدي؟ لا. إذاً ما الذي يجري بحق؟

تكلم

الشاب مجددًا، لكن بصوت يملؤه الفضول والترقب للإجابة المنتظرة، قابضًا على كفيه:

«ما الذي حصل ذلك اليوم؟ من فضلك، أخبرني.»

«حسنًا، بما أنك مصر يا أخي، سوف اعيد لك ذاكرتك.»

2026/06/16 · 2 مشاهدة · 1497 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026