الفصل الثامن والعشرون: «المهرجان»
في الحقيقة، كان ذلك اليوم من أقرب الأيام إلى قلبي، وأكثر ما جعلني أتذكره هو أنت يا آدم، لأنك كنت غريباً بعض الشيء. أولاً كنت تبتسم ابتسامة باهتة خاملة، وكأنك تحمل في نفسك جرحاً لا يعلمه أحد. هو ليس شيئاً غريباً في حد ذاته، لكن بالنظر إلى شخصيتك فسوف يُعتبر كذلك. كنت قريباً جداً في ذلك اليوم من هايون، أعني لقد أمسكت يدها، وأخيراً كنت لطيفاً معها جداً وقتها، وكأنك تُحاول كتابة وصيتك الأخيرة.
بعد سماع هذه الكلمات، قاطعه الشاب وقد ارتفع صوته قليلاً :
«لقد أمسكت يد هايون وكنت قريباً منها؟ هل انزعجت؟ هل كانت لونا هناك؟»
ابتسم جوليان بعد سماع هذا، حرّك كتفيه بهدوء وقال بصوت هادئ:
«أنت دائماً لا تتغير يا آدم، حتى لو لم تفعل هذا فسوف تشعر بالإحراج منه. ولكن لا تقلق، هايون لم تنزعج أبداً، بل على العكس، فقد كان وجهها مشرقاً جداً. كنتما في ذلك اليوم مثل حبيبين.»
هتف الشاب بصوت خافت محرج واضعاً يده على خدّه:
«وماذا عن لونا؟ هل كانت هناك؟»
بدت على ملامح جوليان علامات الاستغراب بعد سماع الكلمة، لم يفهمها في البداية. حرّك كتفيه، حدّق،ثم قال حين أدرك الوضع:
«آه، لا، لم تكن هناك.»
تنهّد الشاب أخيراً بعد سماع تلك الكلمة، مُسنداً ظهره للخلف وهو يُفكّر في أعماق نفسه:
حقاً أنا ممتن للقدر، فلو كانت هناك أو عرفت، ربما سيكون أمامي خيار واحد: أنني سأموت. مجرد التفكير في هذا يُصيبني بالقشعريرة. يجب أيضاً ألا تعرف أبداً. لكن لماذا أُفكّر بهذه الطريقة؟ نحن حتى لسنا حبيبين. يجب التوقف عن هذه الأفكار. لا تقل إن كلمات آش قد بدأت تؤثر فيّ.
أكمل جوليان حديثه بعد أن أخذ نفساً خفيفاً:
«كل شيء قد بدأ عندما التقينا الساعة الحادية عشرة وخمسة وأربعين دقيقة صباحاً عند أحد المطاعم المحلية. في الحقيقة، توقعت أنني الأول كالعادة، ولكن يا للصدفة! لقد وجدتك تنتظر وحدك قدوم الآخرين، وهذا كان أول شيء مريب. ولم ينتهِ هذا فقط، بل حتى ملابسك وقصة شعرك كانتا أنيقتين وجذّابتين بشكل لافت.»
فكّر الشاب وهو يستمع إلى صوت صديقه، حرّك كتفيه ببطء:
ربما يبدو هذا تافهاً ولا علاقة له بالأمر، ولكن بالنسبة لآدم فالأمر مختلف تماماً. إذا كان الموعد الحادية عشرة والنصف فسوف أتوقع مجيئه متأخراً نصف ساعة عن الموعد الأصلي كالعادة. أضف إلى ذلك الملابس، فهو لم يُغيّرها طيلة السنة الدراسية إلا في حفل التخرج، فما بالك في يوم عادي. والأسوأ من ذلك قصة الشعر: أنا لا أقصّ شعري أبداً، ربما إلا في مناسبات نادرة جداً. ولكن حقاً إذا كان هذا بداية اليوم، فأنا خائف من النهاية.
واصل جوليان وهو يُشير بيده في الهواء:
«بعدها انتظرنا قرابة نصف ساعة إلى أن وصل الآخرون، وعندما اجتمعنا بدأ كل شخص يطلب طبقه. وبما أننا كنا في حالة من الضجة والحيوية، أخذنا نتناقش في مواضيع شتى من السياسة إلى الجامعة إلى الحب إلى الأحلام. فجأة بدأت تتكلم أنت يا آدم في موضوع غريب ومثير، وكان صوتك مشرقاً حيوياً، قلت:»
«"ماذا لو تغيّر العالم في يوم واحد، أو بالأصح ماذا لو اختفى الناس كأنهم دخلوا في العدم وانتقلوا إلى عالم آخر مجهول، وحينها ماذا؟ كل شخص لديه مسار ومهمة يجب أن يقوم بها ليعود إلى موطنه. ألن يكون الوضع حماسياً بعض الشيء؟"»
«كان كلامك عفوياً، تهدأ دائماً عندما تطرح هذه الأفكار الغريبة. ولكن كلماتك تلك بدت وكأنك كنت تُخبرنا بشيء سيحصل قريباً: انتقال، اختفاء، ثم مسار ومهمة. ألا ترى ذلك يا أخي؟ وكأنك كنت تُعطيني لغزاً يجب أن أحلّه.»
«بعد أن أنهينا طعامنا، اقترحت إيزابيل الذهاب إلى مدينة ملاهٍ لتمضية الوقت قبل مهرجان يوندونغهوي.»
ابتسم آدم مُحدّثاً نفسه:
لم أندهش من كلام جوليان، بل توقعته. ربما الشيء الذي فاجأني هو اقتراح إيزابيل بالذهاب إلى مدينة الملاهي، فهي دائماً نشيطة حيوية لا تهدأ. حسناً، يبدو أنني بدأت لا أتفاجأ من الأمور الخارجة عن المنطق، أما الأشياء العادية فهي التي باتت تدهشني، يا للعجب حقاً.
«بعدها لم يحدث شيء مثير، أمور طبيعية عادية، إلى أن اقترح أحدهم ركوب عجلة فيريس. وبالطبع انقسمنا إلى ثلاث مجموعات: الأولى كانت أنا وسول هي وبارك جون. والثانية زين وإيزابيل. والثالثة أنت وهايون.»
تكلّم آدم بنبرة فاترة، ممسكاً بذقنه:
«لماذا تُخبرني عن هذا؟ لا فائدة منه.»
ابتسم جوليان، تردّد لحظة في ذهنه وهو يُحرّك كتفيه ببطء:
هل أُخبره أم لا؟ أتوقع لا، لأنه لو عرف فسوف يُغمى عليه. ولكن ربما تعود ذاكرته بلمحة بسيطة. حسناً، ربما فقط يجب أن أُلمّح بشيء لعله يتذكر.
«آه، الأمر فقط أنني لاحظت علامة حمراء على رقبتك في تلك اللحظة. هذا فقط سبب إخباري لك عنها.»
«علامة حمراء؟ أنا لا أتذكر شيئاً عن هذا. هل يمكنك أن تشرح أكثر يا جوليان؟»
ابتسم جوليان وهو يُردّد في نفسه: لو أخبرتك بكل شيء فسوف تفقد عقلك.
«أوه، لا، لم أتذكر أي تفاصيل إضافية. حسناً، أتوقع أننا يجب أن ننتقل إلى آخر حدث في هذا اليوم: مهرجان يوندونغهوي المعروف بالفوانيس، الذي انطلقنا إليه الساعة السابعة وثماني عشرة دقيقة مساءً.»
«انفجر الموكب أمامنا بالبشر، وإذا رفعت بصرك إلى السماء وجدت آلاف الفوانيس تُحلّق مُشكّلةً أشكالاً كالنجوم تلمع وسط ألوانها المُبهرة. كل لون كان يحمل معنى: الأبيض يرمز إلى النقاء المطلق، ربما لذلك كان موجوداً في كل مكان. أما الأصفر فيرمز إلى التوازن والاعتقاد بالاستقرار. ولا ننسى الأحمر الأجمل بينها جميعاً، الذي يرمز إلى الحب لتقوية الرابط بين الناس. وربما تجد كتابات صغيرة لا تكاد تُرى من تلك المسافة، تعرض أمنية بسيطة: هل في يوم ما قد تتحقق؟»
تنهّد الشاب لهذا الخبر المُحزن، ضاغطاً على صدره بكفّه بلا إرادة:
«لماذا تُذكّرني به يا جوليان؟ حين أتذكر أنني ضيّعت ذلك اليوم، أكاد أجنّ. حقاً ذلك المهرجان يُعتبر من أسعد ما عشته.»
انخفضت ابتسامة جوليان قليلاً، وحلّ مكانها الهدوء الثقيل:
«في الحقيقة كان ذلك من أجمل الأيام. لحظات من الفوانيس تملأ كل شبر، والملابس العريقة والعروض المسرحية، كلها كانت بديعة. تلك الساعات لا تُنسى. ولكن عندما انتهى كل شيء وبدأ الجميع بالمغادرة، جلسنا مسترخين على أحد الكراسي. قلتَ وقتها شيئاً جعلني أُفكّر فيه الآن.»
«قلت إن لديك أموراً كثيرة يجب إنهاؤها، وأن الساعة قد تأخرت، إنها العاشرة ليلاً وسوف تقلق عائلتي عليّ، لذلك تتقبّلون هذا. ولكن بينما بدأت بالمغادرة، نظرت إلينا نظرة وداع أخيرة وقلت بصوت حزين يملؤه اليأس:»
«"ربما لن نلتقي مجدداً. نصف روحي سيبقى. النصف الآخر؟ سأتركه في كوابيس لا نهاية لها. سأمضي عبر محن لا تعرف الرحمة. إذا عدت... لا تسألوني من أنا. اسألوا الكوابيس. لكن... من يدري؟ ربما في كابوس ما، أو في زاوية من محنة، سأتمنى أن نلتقي. أتمنى حقاً. فقط... لا تعتمدوا على أمنية رجل فقد نصف روحه."»
من بعدها حلّ السكوت الثقيل، ورحل بصمت.
واقفاً، مُديراً ظهره، يمشي ببطء بين الحشود، غير مُدرك إن كانت هذه النهاية أم بداية حقبة جديدة. تلاشى كأنه لم يكن أصلاً، مثل ضباب يختفي مع فوانيس الليل.
سألت إيزابيل بصوت مرتجف خافت:
«هل سوف يعود؟»
ابتسم زين بتكلّف، ساخراً بنبرته المعتادة:
«طبعاً نعم. أين سوف يذهب أصلاً؟ إلى عالمه الخيالي؟»
قاطعته سول هي بحزم دون أن تُديره نظرة:
«ما شأنك بذلك؟ فلو لم يعد، سوف أجعلك تندم أشد الندم، وسوف أُنفّذها بنفسي.»
ابتسمت هايون بعد سماع كلامها، ثم تكلّمت بصوت يملؤه الحزن وعيناها تُحدّقان في السماء:
«ربما... سوف يعود. ولكن هل سوف يكون هو بحد ذاته، أو فقط...»
صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت مختنق بالكاد يُسمع:
«مجرد نسخة؟»
«أوه، ما بكما يا فتيات؟ لا تقولا إنكم أُغرِمتم به. لم أكن أعرف أنكم تُحبّونه كلكم.»
قطعه بارك جون بصوته البارد المعتاد دون أن يرفع بصره:
«الأمر لا يتعلق بالحب يا زين. بل لأنه لطيف، ومُساعِد، وله مبادئ أيضاً. ليس مثلك، أيها الساخر الأجوف.»
صمتوا لحظة.
ثم انفجرت ضحكة مُفاجئة شقّت الهواء.
«ههه... ههه...»
استدار الجميع ليروا جوليان وقد انتابته نوبة ضحك لم يستطع كبحها، واضعاً كفّه على فمه مُحاولاً التماسك. أخذ نفساً عميقاً متكسّراً، ثم قال بصوته المرح:
«أوه، يبدو أنكم تُحبّون آدم لهذه القدري حتى تجعلون المشاكل بسببه؟»
بدأت نظرته تتلوّن قليلاً، ثم واصل بنبرة أهدأ وأثقل:
«ولكن يبدو أن الوقت قد مضى، فلن يكون هناك فائدة من هذا
الكلام العديم المعنى.»
بعدها واصلت المجموعة حديثها.
غير مُدركين أن هذا كان لقاؤهم الأخير مع ذلك الشاب.