الفصل الثلاثون : شرارت الكارثة
بدأ كل شيء تقريباً في ذلك اليوم المشؤوم الذي لن ينساه التاريخ، السادس من ديسمبر عام 2026. هنا انطلقت شرارة الكارثة الحقيقية، لم تشتعل دفعةً واحدة، بل تسلّلت إلينا هادئة رزينة، وكل شيء تبدّل عندما رأينا تلك الفتاة الطائرة في السماء.
وقتها كنت عائداً من المستشفى، راكباً قطار الأنفاق، أحسب كم من الوقت تبقّى للوصول إلى المحطة التالية، رابطاً عيني بالساعة. وبما أنني لم أملك ما أفعله، بدأت أتصفّح هاتفي لأرى ما الجديد في الأخبار، حازماً أن هذا أسوأ ما يمكن أن يطرأ. بينما أنا أُقلّب الصفحات، وقع بصري على بثّ مباشر، كان حوالي عشرة ملايين شخص مُتّصلين في آنٍ واحد.
والأكثر غرابةً أنه لم يمضِ على بدئه حتى عشر دقائق. كان المشهد جنونياً ومُثيراً في اللحظة ذاتها. ضغطت على الشاشة لأجد فتاة بشعر أبيض لامع، عيناها سوداوان داكنتان، أما ملابسها فكانت عجيبة، ومع هذا كله كانت تقبض في يدها على ساعة صغيرة.
لم يكن جمالها هو ما يخطف الأنظار، بل كيف تُحلّق في السماء، وما هذه الأردية الغريبة. لكن ما انساب منها بعد ذلك من كلمات كان أشدّ وطأة.
«مرحباً أيها الحضور الكرام،
يشرفني أن ألتقي بكم. أتمنى أن ينظر إليّ جميع سكان الأرض في هذه اللحظة، لأنني، مع الأسف، أظن أن هذا قد يكون لقاءنا الأخير.
سيشهد العالم تغييراً جذرياً. لن يبقى بعدها إلا الأقوى. أما الضعفاء... فسيموتون. لكن لا تخافوا، فكل إنسان سيأتي دوره. ربما ليس اليوم، بل غداً. لأنكم إن لم تُختاروا... فالنهاية محتومة.
ولكن، ولأنني كريمة معكم، سأمنحكم مهلة: عشر سنوات للاستعداد. بعدها، سيُدمج عالمكم بالكامل مع بقية العوالم. وإن لم تكونوا جاهزين بالقدر الكافي... فلن يبقى لكوكبكم العزيز أثر.
آمل أن تكونوا عند حسن الظن.»
ماذا؟ هذا الكلام... وكأنها لم تكن موجودة من الأساس. بدأت تختفي وتتلاشى لتتحوّل إلى غبار يتناثر في السماء.
بدا الموقف مضحكاً إلى حدٍّ بعيد حين تراه... هل هذا إعلان ترويجي جديد؟ أتوقع أنهم تفوّقوا على أنفسهم في الإخراج هذه المرة. من سيُصدّق هذا الهراء؟
ولكن قبل أن يُنهي الفتى فكرته، ضايقه شيء غريب، فأدار رأسه قليلاً حاكاً مؤخرة عنقه:
أين ذهب الشخص الذي كان يقف بجانبي؟ هل اختفى؟ انتظر... أليس عدد الركاب قد تناقص؟ لم نبلغ حتى أول محطة. ربما أنا أتوهم وحسب.
آاااه!
اخترق أذنيه صوت مُزعج، لم يستطع إلا أن يُدير وجهه نحو المصدر ليرى فتاة تصرخ منفردةً وهي تهزّ يديها بعنف:
«ما الذي... ما الذي يحصل؟ ما هذا العداد المنقوش على معصمي؟ لماذا بدأ الجميع يتلاشى؟ هل سأفنى بعد انتهائه؟»
لم تُواصل كلماتها طويلاً، حتى أخذ جسدها يتلاشى كليّاً، يضمحل من الوجود. بعد هذا، تطلّعت كل روح إلى يدها، لم يجدوا إلا وشماً حادّاً أنيقاً خلّاباً. كل إنسان كان يحمل وقتاً مكتوباً، يصرخون، ينتحبون، يتوسّلون:
«لا نريد الفناء!»
عندما يصل المؤشر إلى الصفر، يتلاشون. لم يعلُ إلا الصراخ الممزوج بالهلع ثم الصمت الأبدي. بينما الشاب، عندما فتّش في ساعده، لم يعثر على أي شيء من هذا القبيل، ما جعله يتنفّس الصعداء قليلاً ماسحاً جبينه المبتل.
شهيق.
ما الذي يجري بحق الجحيم؟ لا تقل إن نهاية العالم قد بدأت!
ولكن، أليست نهاية العالم تأتي مع الزومبي؟ لماذا يختفي الناس هكذا؟ من يهتم الآن؟
تنهّد براحة موهومة بعد أن رأى باب القطار ينزلق مفتوحاً، محطة جانجنام. لم يتمالك الشاب رباطة جأشه، بل اندفع خارجاً، لا بل جميع من كان في القطار تهافتوا نحو حريتهم، يظنّون في أعماقهم أن هذه النهاية كانت مجرد ومضة عابرة.
لكن ما تلاها كان الجحيم بعينه.
كانت محطة جانجنام فارغة، على عكس زحام الأيام المألوفة. بدا المكان مهجوراً بدرجة مُخيفة، ولكن لم يكن هذا كل شيء. فعند وصول جوليان إلى منزله، لم يسعه إلا أن يُحدّق في نشرات الأخبار، وقد تبخّر حوالي خمسة ملايين من سكان كوريا.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل تواردت أنباء من دول أخرى بدأ فيها السكان يتلاشون من العدم.
وتوالت الأيام على هذا المنوال، ففي اليوم الثاني بلغ العدد عشرة ملايين، والثالث خمسة وعشرين، والرابع أربعين، إلى أن مرّ شهر كامل ليقفز إجمالي المفقودين فوق ثلاثمئة مليون روح عبر العالم.
لم تكن هذه سوى البداية، بل راحت ظواهر غريبة تبرز: جزر معلّقة في السماء، وبحار حالكة السواد، وأشجار طائرة، وقلاع شامخة لم تكن هنا من قبل.
بعد هذا، ومع إطلالة شهر آخر، بدأ العالم ينهار، فانفتحت شقوق مُرعبة في أنحاء الكوكب يخرج منها عدد لا ينتهي من الوحوش في دفعات مُنتظمة، مُتوحّشة لا تعرف إلا القتل. لم تكن غبية ولا ذكية، بل عادية، وهذا بالضبط ما أشعل الحرب على الفور.
في البداية لم تكن الأمور بتلك الصعوبة، ولكن مع تقدّم الأيام اتّضح أن الوحوش لا تقف عند حد، فقد تضاعفت قوّتها شيئاً فشيئاً، وعددها الذي أخذ يتصاعد بوتيرة جنونية، لدرجة أن الجنس البشري أوشك على الاستسلام لفكرة الإبادة.
ولكن في الشهر الثالث، تحديداً في الرابع والعشرين من مارس 2027، بدأ المفقودون يظهرون من جديد، ولكن بقوة مُختلفة وقدرات خارقة، بدوا وكأنهم عاشوا الجحيم ذاته. كان قتال الوحوش بالنسبة لهم أمراً سهلاً، فقد اجتازوا الحواجز البشرية بلا عناء. بعد هذا استمرّت هجمات الوحوش، واستمرّ ظهور الناس الذين سُمّوا «المستيقظين» بالتصاعد يوماً بعد يوم، حتى غدا وجودهم اعتيادياً.
بعد سنة من هذه الحادثة، بدأ البشر يكتشفون ما حصل ويُحلّلون ويُطوّرون. الحادثة الأولى، وهي الاختفاء، فُسّرت بأنهم كانوا يُنقلون إلى عالم سُمّي «الهاوية»، وكان عليهم إنهاء سيناريو أطلقوا عليه اسم «محنة»، ولكل شخص مسار يسلكه هناك.
ولكن لم يتوقّف البحث هنا، بل بدأت الدراسات على المستيقظين والظواهر الجديدة التي برزت في العالم. أولاً: ما علاقة الوشم بالنظام؟ كان هذا أول الأسئلة، وتوصّلوا إلى أن الإنسان الذي يحصل على وشم لديه مدة زمنية محدّدة، ربما شهر، وربما شهران، وربما ثلاثة، وربما دقيقتان فقط. عندما ينفد ذلك الوقت، يُنقل إلى عالم الهاوية.
وقد تسبق هذا علامات مثل النعاس، أو أحلام عن عالم آخر، أو حتى تخيّل أشياء غير موجودة.
بعدها بدأ البحث في أبرز ما خلّفته السيدة الغامضة: ساعة الاندماج. تلك الساعة كانت تدقّ كل يوم بلا توقّف، وكأنها تُذكّر بقرب النهاية. لماذا؟ بعد فحص دام لأشهر وأسئلة للمستيقظين، توصّلوا إلى عدة استنتاجات: أولاً، الساعة تُخبرك كم تبقّى على حالة الدمج التي ستحصل. ثانياً، تزيد وتنقص، كيف؟ قد تزيد عشرة أيام وقد تنقص عشرة أيام، وهذا يُحدّد إذا كان المستيقظ قد نجا من محنته أو أخفق فيها، بمعنى آخر أنك أنت من سيُحدّد مصير دولتك والعالم.
وليس هذا فقط، بل تبيّن أن الفتاة الغامضة التي برزت من العدم كان يُلقّبها المستيقظون بـ«ملكة الهاوية». يقولون إن قِلّةً من المختارين، أو أولئك الذين يتجاوزون المنطق، قادرون على مُقابلتها والحصول على كنوز أو بركات.
أصبح العالم خطيراً، كل يوم يندمج أكثر فأكثر، النسبة تتصاعد. إخفاقك، نجاحك، لا يُغيّر شيئاً جوهرياً، ربما يمنحك يوماً أو يومين، لكن النتيجة محسومة: الانهيار آتٍ.
الوحوش تزداد، الخطر يعظم، والمستيقظون يُحاولون الدخول في محن أكثر لعلّهم يزيدون قوّتهم. لذلك أصبحت الإشعارات الوطنية ضرورة، مثل أفضل الدول المُتصدّرة اللائحة العالمية.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا، بل بعد سنة من بداية الكارثة، وجدوا شيئاً جديداً يقلب قواعد اللعبة بالكامل: «سادة الميزان». هم مجموعة من الأشخاص يمتلكون خاصية لا يمتلكها أي بشري آخر، وهي الميزان. الدولة التي يتحدّد ارتفاعها وانخفاضها وفق إنجاز المستيقظين، فمثلاً إذا نجح عشرة منهم في إنهاء المرحلة الأولى، فسوف يزيد الميزان من الجهة اليمنى عشر نقاط، والعكس صحيح.
لكن هذا مختلف كليّاً عن ساعة الاندماج، فهنا قد تُحدّد مصير دولتك بين يديك. فائدته: إذا تجاوزت النقاط الموجبة الألف، فسوف تزيد نسبة سقوط الأسلحة والكنوز في دولتك. وهذا أيضاً يتعلّق بالجانب السالب، فإذا كانت النسبة سالبة، فسوف تزداد معدلات هجوم وحوش من الرتب العليا ومشاكل طبيعية.
أي أن هؤلاء الأشخاص يستطيعون التلاعب بالسياسة كما يرغبون، أو بالدولة بأسرها.
لا يعرف أي شخص الميزان إلا هم، على عكس ساعة الاندماج التي تستطيع رؤيتها في تخصيصات النظام. ولكن عندما تكون على الأرض، خاصية الميزان غير موجودة أبداً، وهذا ما يجعلهم أخطر الناس في العالم.
ولكن يا آدم، كل هذا قد حدث في سنتين فقط، أضف إليها شهراً لنصل إلى عام 2029.
نعم، ويمكنك أن تستنتج كيف حدث كل شيء وكيف انتقلت إلى هنا. حصلت على وشم، انتهى موعده، فانتقلت إلى عالم الهاوية.
لأنني لو لم أدخل، فسوف يأتي يوم أموت فيه لا محالة. وموعد الاندماج يتأخّر يوماً بعد يوم، لذلك من الأفضل أن نُواجه الكارثة الآن قبل أن نبلغ ذلك الموعد المحتوم.
بقي الشاب مُتسمّراً في مكانه، ثابتاً كتمثال، غير قادر على النطق. عيناه مفتوحتان على مصراعيهما.
ماذا؟ ما سرده عليه صديقه، سنتان كاملتان من الدمار. لكن رغم ذلك كان الانهيار ينبع من أعماق قلبه، ربما مُحاولة لإخراج كل ما اختزنه بداخله.
التفكير في أن ثلاث سنوات قد مضت في غيبوبة لم يرَ فيها ضوء الشمس، أو أن العالم تبدّل رأساً على عقب، وأنه بعد ثماني سنوات فقط سيحدث شيء اسمه الاندماج، وهو الآن... أي موت أحمق سيُعجّل بذلك الموعد.
كانت المعلومات التي تلقّاها ثقيلة على عقله. كان يتساءل حاكاً رأسه ببطء:
ما الذي حدث لعائلتي؟ لجسدي؟ هل أنا... هل أنا حيّ أم ميت؟ هل تبدّل العالم حقاً؟ ما الذي جرى بحق الجحيم؟ ولماذا من بين جميع الناس كنت أنا البداية؟ هل أنا مجرد فأر تجارب؟ لم أرغب في هذا، ولم أختر هذا الطريق.
لماذا، لماذا يجب أن أتحمّل مسؤولية خطأ اقترفته نسخة ماضية؟ ما الذي عرفته يا آدم الماضي لكي تُورّطني في كل هذا العذاب؟
مُبتسماً ابتسامة محطّمة، مانعاً نفسه عن البكاء من أعماق قلبه، تكلّم بصوت خافت:
«إذن ما الذي حصل لعائلتي وللعالم أصلاً يا جوليان؟»
حتى جوليان، وهو يُفكّر فيما يجب أن يقوله، ردّ بصوت هادئ مُحرّكاً كتفيه بتعب:
«حسناً، لقد حصلت أمور لا حصر لها، لا يمكنني اختزالها في كلمات. ولكن يمكنك القول إن العالم أصبح أكثر اضطراباً، فهناك طوائف قد تشكّلت، وعقائد جديدة قد أُسّست، وبالطبع تكنولوجيا مُتطوّرة جداً. هذا ما يمكنني قوله الآن. أما بخصوص عائلتك، فهي في أفضل الأحوال حالياً، لم يتغيّر الكثير، لكنهم يشتاقون إليك. أتمنى أن تعود سريعاً وتُنجز هذه المحنة.»
عندما انتهى جوليان أخيراً من حديثه الذي طال كثيراً، تنفّس بعمق وأسند ظهره إلى الجدار. وأخيراً أسند آدم جسده مُرخياً أعصابه قليلاً بعد أن سمع كل ما أراد.
العالم قد تبدّل. الإخفاق يعني زيادة في تدمير الكوكب. ربما الآن صار لديّ دافع أكبر للعودة: رؤية عائلتي بعد ثلاث سنوات، أصدقائي، شكرهم، والكثير. حقاً سأُحاول أن أفعل المستحيل للنجاة من هذه المحنة.
ولكن الآن ماذا يجب أن أقول؟ أتوقع أن أسأله عن وضعه في النظام، ماهي مهمته أول ما نشأ؟ وبالطبع صفته، فربما أعرف واحدة أو اثنتين وأُساعد فيها. من يدري؟ فلا ننسى أنني درست أحوالي شهراً ونصفاً كاملَين، بالطبع لن تكون جميعها تافهة.
«حسناً يا جوليان، هل يمكنك أن تُخبرني بنافذة حالتك؟ وبالطبع هذا اختيارك إذا لم ترغب.»
ابتسم الشاب وهو يحكّ رقبته، مُظهراً الهدوء في نبرته:
«أوه، لا بأس، ولكن يا آدم..
. الأمر غريب بعض الشيء، أتوقع أنك سوف تستغرب.»
«آه، هذا يزيد الأمر متعةً، لذلك أخبرني فقط ولا تقلق.»
«حسناً، كما تشاء.»