الفصل اثنان و الثلاثون: «ومضة الأمل»

طق.

طق.

طق.

سقط الشاب من سريره وهو يئنّ بصوت خافت، ممسكاً بمؤخرة رأسه يُحاول تخفيف الألم. بعد أن تلاشى الوجع، بدأت الأفكار تعود إليه، لكنها لم تكن كسابقتها، بل أثقل بمراحل.

في البداية لم يكن يهتم بتعليقات «سجلات المتجاوز»، ربما لأنه كان منشغلاً مع صديقه، لكن الآن بعد أن تكرّرت، بات الأمر واضحاً. هذه ليست مكالمة إنسان، ولا فتاة تُحاول السخرية.

«من أنتِ؟ وما معنى كل هذا؟ أخبريني، أيتها السجلات المتجاوزة. هل تريدين السخرية مني؟ فإن أردتِ هذا، فافعلي كما تشائين، لأنني قد سئمت. هل تريدين فقط قتلي؟ إن أردتِ، فاقتليني الآن. بدأت أسأم: من هذه الحياة؟ ومتى يتوقف الأمر معي؟ لا، بل لم ينتهِ بعد، بل أصبح مُعدياً للجميع.»

هههه.

ضحك بصوت مُتكسّر وهو يُحاول التقاط أنفاسه.

«في البداية مُنحت قصة فشل لا تُفيدني بشيء. هل فقط تُؤكّدين لي أن النهاية محتومة؟ ثم ماذا؟ جئتِني في إحدى العودات، لكنني لا أعرف منها أي شيء، أو حتى كيف أتعامل معها، لكي تزيدي الصعوبة أكثر. في أول انتقالي، وجدت نفسي أمام غوريلا ثلجية جعلتني على حافة الموت. نجوت، لكي يستمر هذا العذاب أكثر. أصبحتِ في جسد، شخصية جانبية لا أعرف اي شيئ عنه . وحزر ماذا؟ زادت الصعوبة. اكتشفت أن أعز أصدقائي أصبح في محنة المختار، ليس أي مختار، بل بطل هذا العالم. تكتشف أيضاً أنني ضيّعت ثلاث سنوات هدراً في غيبوبة، لا تعرف إذا كنت ستستيقظ أم لا، بينما مرّ في هذا العالم شهر ونصف.»

لم يقدر على التماسك أكثر من هذا، بل بدأ يبكي بصوت جاف مليء بالمشاعر، مُواصلاً بكاءه المنكسر في كلمات تتحدث عن الهدف. لكن هذه المرة يختلف تفكيره، يصبح أكثر سواداً. بدأ يُردّد:

«إذا أردت ذلك الشيء، فيجب أن تفقد كل شيء.»

هذا ما يراه في القصص، أليس كذلك؟ واصل ضحكاته المُتكسّرة. ربما يفعل كل هذا بدافع الانتقام. مُبيد الطائفة، التي أُبيدت عائلته، أياً كان ذلك. ثم ماذا؟ يُعطونك إياه. إنه وصل إلى مجده بسبب دافعه. أو حتى ماذا؟ الوصول إلى الخلود الذي دائماً ما يُرى بصيغة أخرى، لدى الشرير أو البطل. قد يعتبر السبب في هذا أنه عان بما فيه الكفاية. وأدرك أن العالم قاسٍ، ليس فيه أي رحمة. وبما أن الخلود أعلى مراتب القوة، قرّر أن يصل إليها. وأضف إليها بُعد المُبرّرات، والغاية تُبرّر الوسيلة. وسوف تجد خلوداً.

أو ربما لو فكّرنا بالأشهر الحالية، الأكثر هو قطع القدر. ربما قد سمعت عنها من ألف قصة، وسببه أناني: لا أُحب أن يكون أحد مُتحكّماً في مصير أكتبه أنا أو٬ المُتمرّد على الوجود. لكن جمع كل هذه الأسباب هو ما يجعلهم يُكملون طريق هدفهم. فمن دون الانتقام، هل سنصل إلى خلود؟ ومن دون قطع القدر، هل ستصبح حراً؟ ومن دون الحب، هل ستصبح منكسراً؟

أما أنا، فليس لديّ هدف. هل هو النجاة؟ لكنني أعرف أنني سأموت. والعودة إلى الوطن الذي تحوّل إلى جحيم حالياً. أو حتى شكر أصدقائي الذين أحسنوا إليّ. نعم، ولكن ما فائدة كل هذه العبودية إذا كنت في النهاية سأموت؟ ما فائدة هذا الجهد إذا كان سوف يضيع؟ ما الفائدة من كل هذه المخاطرة بحياتي إذا لم يكن لها معنى؟

هذا هو السؤال الذي يُحطّم كل شيء: إذا كانت الغاية النهائية هي الموت، فلماذا أُحاول أن أعيش؟ لماذا أُثابر؟ لماذا أُحب؟ كل هذه الأحاسيس تختلط لتُعطي جواباً، وما يخطر في هذه اللحظة هو كلمات الحكماء الذين كنت أضحك عليهم. أولئك الذين كانوا يُردّدون تلك الأفكار التي كانت تُضحكني عندما أقرأ عن أن الحياة عبثية، وأننا نبحث في عالم لا معنى له. ولكن الآن، عندما تعرف أن كل شيء مصيره الموت، تُدرك أنهم كانوا على حق طوال الوقت. لأنك أصبحت تقف على حافة هذا الوجود العدمي، لتُدرك أننا كنا فقط نُقيّد بصيرتنا. ولكن رغم كل هذا، يبقى شيء غريب وهو التعريف الحقيقي للإنسانية. أعلم أنني لا أستطيع تغيير موتي، ولا أستطيع تحريفه، أو حتى تأخيره كثيراً. ومع ذلك، يختار الإنسان أن يُوهم نفسه ليهرب من هذا الجحيم، لأنه يريد أن يعيش، حتى لو كان هذا الوهم هو كل ما يملكه.

ففي النهاية، كل الطرق سوف تُؤدّي إلى موتي. هذه ليست نظرة تشاؤمية، بل حقيقة هذا الوجود. لأنكم لا تُفرّقون بين أمور أساسية. هناك ناس كُتب لهم ذلك. قد تجدون أن الإنسان الذي قطع القدر لم يُكتب في الواقع، لا، لقد كُتب هذا أصلاً، لكنه كان مخفيّاً. وعندما تصل إلى تلك النقطة، تجد أن القدر بحدّ ذاته هو من كتب هذا. وإذا كُتب موتي، فسيحين ذلك الوقت حتى أتيقّن.

ولكن مع كل هذه الأفكار، انبثق ضوء صغير من الأمل لا يكاد أن يبقى.

الأمل... كم هو سخيف هذا الشيء الذي يجعلك تستمر رغم كل الاضطرابات. كنت أقول له إنه وهم، لأنه يجعلنا نُصدّق المستحيل. ولكن الآن، عندما انهار كل شيء ولم يتبقَّ إلا شعلة بسيطة، أدركت أنه هو الشيء الذي يجعلك تُحاول رغم كل شيء. لأنه حتى لو انهار كل شيء، يبقى الأمل هو ما يدفعك للمضي قُدُماً. جوهر هذا الوجود العدمي ليس الفوز، بل المضي. وليس النجاة، بل الرغبة في البقاء رغم كل الظروف.

أريد أن أعود. أريد أن أعيش. أريد أن أُثبت وجودي.

وكأن العالم سمع أخيراً لهذه الشخصية الثانوية التي تطلب الخلاص، جاءت نافذة نظام أضاءت كامل جسده وأنارته، وجعلته يُقدم على المستحيل.

❂ تنبيه النظام ❂

══════════════════════════

〖 تنشيط المهارة 〗

❂ المهارة: سجلات المتجاوزة

❂ الحالة: نشطة

══════════════════════════

〖 المهمة 〗

❂ النوع: مهمة سجلات

❂ الصعوبة: متوسطة

══════════════════════════

〖 الجزء الأول 〗

❂ الوصف:

"الهلاك ليس جيداً وليس عالياً، بل هو قاسٍ. ولكن حتى النهايات التي تبدو محتومة، قد لا تنتهي بالموت. ثمّة هناك بصيص وأمل في مكان ما. ولكن السؤال: ما هو الثمن الذي يجب أن أدفعه لكي أحصل على هذا؟ انجو من المهمة الانتحارية، وأسقط العملاق الجليدي، وسوف تحصل على خلاصك.

══════════════════════════

〖 الجائزة 〗

❂ إنهاء الجزء الأول:

- الحصول على بطاقة أسئلة (المستوى الأول)

❂ إنهاء المهمة كاملاً ( 2 / 0 ):

- الحصول على تلميح لكيفية الهروب من الموت وإنهاء هذه المحنة

══════════════════════════

〖 سجلات المتجاوز 〗

❂ "أوه، من قال أنك سوف تموت؟ لن يحصل هذا وأنا موجودة، أبداً. ليس لأنني أُحبّك أو من هذه الأشياء، بل لأنك مفيد في إحدى خططنا. وإن لم تستطع النجاة، فلا تبدأ في البكاء، فهذا لن يُجدي. لأن هذه هي الفرصة الأولى والأخيرة: إما موتك، أو خلاصك."

══════════════════════════

نظر بعيون قد جفّت من كثرة النحيب، واللون المائل إلى المرارة، وهو يُحدّق ويقرأ الكلمات بعناية، مُطلقاً ابتسامة في نفسه وهو يرى هذا الأمل. ما الذي يحصل؟ لكل هذا لم يكن قادراً على فهم أي شيء.

بما أنكِ تستطيعين سماعي، لماذا لا تردّين على أسئلتي؟ فقط تجعلينها أكثر. أنتِ حقاً تهتمّين بي؟ أم فقط مجرد خطة بين خطتكي؟

ضحك في نفسه، قابضاً على يديه بقوة، ثم تكلّم:

«حسناً، سأمضي، وسأقتل، وأنتِ ترقبين، ولنرَ إذا كان هذا الهدف سيجعلني أعيش أو أموت. أو بمعنى آخر، لن يكون إلا وهماً جميلاً قبل أن تنطفئ تلك الشعلة لاحقاً.»

ابتسم وهو ينظر إلى السماء، ناهضاً من الأرضية الباردة ببطء. بدأ تظهر ملابسه الأنيقة التي تُغطّي كامل جسده، قطعة فنية مُتكاملة بارزة الجمال كجزء لا يتجزأ منه. بدأ يتحرك بخطوات ثابتة نحو الباب، عازماً في قرارة نفسه أنه يجب أن يبدأ في إثبات نفسه لهذا الوجود. وأول خطوة تبدأ من إنهاء هذه المهمة، ثم قتل العملاق الجليدي، وأخيراً إنهاء هذه المحنة اللعينة.

ابتسم آدم ابتسامة بهيجة وهو يفكر في التجارب الذي عاشها حتى الان، ثم ردّد:

«قد تكون أعظم القصص ليست التي تنتهي بنهايات سعيدة، بل تلك التي تنتهي بنهاية فارغة من الداخل تحمل حزناً في أعماقها، ليس عيباً فيها. في الواقع الأليم، كنت مُخطئاً، بل جاهلاً، أو لأكون أكثر صدقاً، كنت إنساناً يُحاول الهروب من شيء قد يُطارد قصتي، وهو الموت. ولكن فقط عندما علمت أنه أقرب من أي وقت، ازداد خوفي. أما الآن، فكل يوم هو فصل جديد، أروي قصة أستمتع بها وأنا أُشاهد. قد تكون جيدة، وقد تكون سيئة، لكن هذا لا يهم، لأن جوهر القصة هو الرحلة، ليس النهاية. النهاية مجرد نقطة تختتم هذه القصة، وتجعل القراء ينظرون إليها كبداية لحقبة جديدة.»

ماسكاً قبضته بإحكام، بدأ يُحرّك الباب فاتحاً إياه، وفي أعماقه يقول:

ربما سأموت، وربما سأعيش.

إذا مُتّ، من يهتم؟ وإذا عشت، فسأحصل على وهم جديد. إذاً، لن أختار أياً منهما، بل فقط سأشقّ طريقي الخاص.

2026/06/21 · 2 مشاهدة · 1285 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026