الفصل ثلاثه والثلاثون: رحلة طويلة
في منطقة خالية لا يُرى منها إلا الثلج الذي يغطي أشجار الصنوبر والبحيرة التي تحولت إلى أرض صلبة، و الشظايا الجليديه كانت تتدفقه مثل مطر غزير لا يتوقف أبداً.
مع ذلك، برز ثلاثة أشخاص من هذا المكان، كانت ملابسهم الشتوية وستراتهم العازلة لهذا الجو البارد ليست الملفتة، بل في الحقيقة القطع المعدنية التي غطت أفواههم.
كانت عبارة عن قطعة ميكانيكية قصيرة تندمج مع الجلد، وتُوضع تحديداً فوق الفم وصولاً إلى أسفل الأنف لتغطي تلك المنطقة بالكامل. يتخذ شكلها هيئة قوس متعرج منحني بعض الشيء، بلون أسود لامع متدرج. وإذا أطلقت النظر إلى جانبيها من الخارج، سترى دائرتين مخصصتين لسحب وتصفية الهواء، تعملان بانتظام وبسلاسة تامة، مع بعض الأضواء المتلألئة والمتغيرة التي تزين أجزاء من سطحها الميكانيكي.
آه، لماذا سيستمر هذا الطريق؟ هل له نهاية حتى؟
متنهداً مرة أخرى، تكلم، حاكاً مؤخرة عنقه: حسناً يا ثروفين، كم قطعنا حتى الآن؟
هز الفتى رأسه وهو ينظر إلى ساعته قبل أن يتكلم: مضى حوالي ثلاث ساعات و18 دقيقة و21 ثانية، لا، إنها الآن 22 ثانية.
تنهد كيدو وهو ينظر بتعمق إلى عيني ثروفين: ماذا؟ هل هذا ممكن حقاً؟ حسناً، يجب أن أعترف، أنت بارع جداً في الحساب.
نظر إليه ثروفين بتكاسل، محركاً كتفيه، ثم قال: الأمر ليس أنني عبقري، فقط إنني أركز على التفاصيل ولا سيما الوقت.
ابتسم كيدو بعد سماع هذه الكلمات وكأنه أرادها من قبل، ثم تكلم:
"حسناً... بما أنك بارع لهذه الدرجة، أخبرني: لماذا نرتدي هذه القطعة المعدنية في أفواهنا؟"
تنهد ثروفين وهو ينظر إلى الساعة بمهل، ثم قال: ما رأيكم أن نستمع أولاً إلى إجابة كاين قبل أن أجيب عليها؟
التفت الشاب مباشرة نحو وجه كاين المرتبك قليلاً، فرقع أصابعه بحماس، ثم قال: أوه، إنها فكرة أفضل. أبهرنا أيها القائد كاين بإجابتك.
نظر كاين إلى الأرض الجليدية وتلوح عليه ملامح الارتباك، فاركاً جبهته، ثم قال: "آه... أتوقع... أنها للحفاظ على حرارة الجسم؟ أو ربما لتنقية شيء ما... أو منع انتقال الحرارة من الهواء البارد إلى الرئتين؟"
نظر إليه ثروفين بنظرات باردة، ثم قال بصوت هادئ، هازاً رأسه:
"أوه... ليست إجابة سيئة بالكامل."
حقاً؟
"ولكنها خاطئة."
أطرق الشاب بانزعاج خفيف، لتعلى وجهه مجدداً ابتسامة باهتة، راجعاً عينيه إلى الأرض، ماسحاً شعره: أوه.
يضحك الشاب من الجهة الأخرى وهو يحاول ألا يسقط من الضحك: "هههه! لم تكن سيئة يا كاين، لكنها خاطئة! أرى أنك تحتاج إلى دروس في المنطق! حسناً، بما أنني أنا من طرح السؤال... ما رأيكم في إجابتي؟"
أومأ ثروفين برأسه بعدم ارتياح، وكأنه توقع إجابة بلهاء كالعادة، قال: تفضل.
غير كيدو وضعيته بعد سماعه الموافقة، بدا وكأنه يحاول إيصال الفكرة بحركات غريبة تلفت الانتباه، ثم قال: بالطبع إنها للموضة.
ناظرين إلى الشاب المجنون غير مدركين ما كان يقول، ولكن مع ذلك واصل كيدو كلامه غير عابئ:
"أنظروا إلى هذه المنارات البنفسجية! أليست جميلة؟ سألتقط لها صورة! ستبدو مثالية جداً! ربما هي مجرد أداة ظهرت مع موضة الأزياء الجديدة!"
توقف ثروفين قليلاً وهو يتأمل في إجابة كيدو، ليظهر شاحباً في وجهه من شدة الانزعاج، مردداً بصوت غاضب:
"هل أنتما الاثنان... درستما أي شيء عن الأجواء في هذه المنطقة؟ ولا سيما منطقة فريست؟"
تكلم كاين بصوت محرج بعض الشيء، وهو يفكر: هل كان يجب أن أتظاهر بالغباء أو أن أقول ما كان في ذهني؟ لا، ليس هناك وقت للندم. رد بصوت مرتبك:
لا، لم أدرس أي شيء عن هذا.
تكلم كيدو مؤكداً صحة المعلومة، رافعاً سبابته: أنا أيضاً، ولكن من يتعلم هذه الأشياء وهو في مهمة انتحارية؟ أليس من الأفضل أن أكتب وصيتي الأخيرة على الأقل، حتى لا يكون هناك خلاف على الميراث؟
تنهد.
حسناً، لم أتوقع، لكن ما باليد حيلة. لا أريد أن أرى اثنين يموتان من الغباء، على الأقل موتا بعيداً عني، لا أريد أن تتلطخ سمعتي.
بدأ يتكلم ثروفين بنبرة هادئة وموزونة، وكأنه يقرأ ملفاً بنبرة مملة، قال:
"هذه القطعة المعدنية ليست للموضة، كما أنها ليست للحفاظ على الحرارة، وتنقيتها ليست لشيء يتعلق بالجسم كله. وظيفتها الأساسية هي تنقية الهواء الذي يدخل إلى الرئتين، لكن ليس لأي سبب عشوائي. المنطقة التي نحن فيها، فريست، تتميز بانخفاض حاد في درجة الحرارة، يصاحبه ارتفاع في الرطوبة المتجمدة. هذا يعني أن الهواء الذي نتنفسه يحمل بلورات جليدية دقيقة جداً، لا تُرى بالعين المجردة. إذا دخلت إلى الرئتين، فإنها تتراكم تدريجياً، وتسبب التهابات مزمنة، وتؤدي إلى ضعف عام في الأداء القتالي، خاصة في المعارك الطويلة. حتى لو كان لديك مسار لا يمنحك مناعة طبيعية ضد مثل هذه الظروف، فإن تأثيرها يتراكم مع كل نفس. كلما توغلنا أكثر في المنطقة، ازداد الضغط الجوي وازدادت برودة الهواء، مما يعني زيادة تركيز هذه البلورات. الأداة التي نرتديها تحتوي على طبقة ترشيح داخلية، مصممة خصيصاً لتصفية هذه البلورات قبل أن تصل إلى الرئتين. تصنيفها نجمة واحدة فقط، لكنها في هذه البقعة تعتبر ضرورة للنجاة، وليست رفاهية أو زينة."
واصل الكلام بعد تنهيدة خفيفة، معدلاً وضع الأداة على فمه: "وأيضاً... اسمها التقني هو مرشح التنفس الجليدي."
بعد إنهاء الكلمات الأخيرة، حدق كيدو بدهشة وفمه مفتوح، حاله كحال النهاية غير قادر على النطق، ولكن بعد ذلك قال: ماذا تعني...
على العكس من كيدو، كان كاين هادئاً بعد الشيء وهو يفكر في نفسه، فاركاً ذقنه: كما أعتقد، بينغو، دائماً أجدها من المرة الأولى. حسناً، سأحاول إظهار وجه بأني لم أفهم، لكن مع ذلك هناك بعض الأجزاء لم أفهمها: الرطوبة، الجزيئات، الجغرافيا. ما هذه الأشياء؟ أحس أحياناً أن ثروفين هو كتاب، ليس مجرد إنسان.
ملاحظاً الشاب ارتباكه الشديد، وكأنه توقع هذا الشيء، قال:
"حسناً... سأبسطها لكما. إنها مجرد أداة لتصفية الهواء فقط، حتى لا تتجمد قلوبكم قبل أن نصل إلى مهمتنا."
ابتسم كيدو بعد سماع الكلمة، شهيق، ثم قال: هاهاهاه، هكذا إذاً، أداة لتصفية الهواء. يا أخي، كان بإمكانك أن تختصر، لماذا كل هذا العناء؟
"لو قلتها من البداية، لما ضاعت 20 دقيقة، لأنني لو انتهيت بسرعة لبدأت ثرثرتك التي لا تنتهي. والآن حاول ادخار بعض الهواء، فلا تعرف متى ستتعطل الأداة."
مبتسماً كيدو ابتسامته المشرقة، قال: 20 دقيقة، لا يبدو أنها كثير. حسناً، ما رأيكم بفكرة أفضل؟ بما أن طريقنا لا يزال بعيداً جداً، أن يقوم كل شخص بإلقاء نكتة. وبالطبع، سنبدأ بك يا ثروفين.
آه، ماذا؟ أنا لم أوافق أصلاً، ألم أقل لك اخزن بعض الهواء؟
مستفزاً الشاب صديقه وهو يضحك، ضارباً على ركبته:
ههه ههه.
ثروفين، ألم تقل إنك الماهر في كل شيء؟ يبدو أنك سيء في النكت لتلك الدرجة.
حسناً، ولكن عندما أسحقك، لا تقل لماذا. هل تعرفون ما هو الفرق بين البيهيموث وأنا؟
صمت الجميع للحظة، ثم تكلم، مفرقعاً أصابعه:
إنه لا يستطيع شرب القهوة، بينما أنا أستطيع أن أشربها ثلاث مرات في اليوم من دون أن أنام.
عم الصمت، ثم انطلقت.
ضحك كاين بصوت خافت لا يكاد يُسمع، لكن هذه الضحكات الخافتة كانت مسموعة في أذهان الجميع، والتي كانت مشرقة بشيء غريب، جاعلة حتى ثروفين يبتسم لها.
تكلم كيدو بصوت خافت في أذن كاين وهو يحاول مواساته، حاكاً أنفه:
أعرف، أعرف يا صديقي أنك تحاول مجاملة ثروفين، ولكن لا تخف، فتلك الكتلة المعدنية لا تهتم بالمشاعر. فقط قل إنها سيئة، لأن ذلك المغرور اللعين سوف يذكرني بهذا اليوم لثلاثة أشهر.
نظر إليهم بعيون متفحصة، وكأنه يحاول فهم الكلمات المشفرة بينهم.
قال كيدو وهو يحاول تضليله، رافعاً حاجبيه:
أخي، هل تعرف أن نكاتك بارد بعض الشيء؟ كيف أصفها... البياض مع بعض الثلج المجمد. تعرف، هذا المزيج غريب بعض الشيء، ولكنه يناسب نكتتك الباردة.
حسناً، بما أنك تقول هذا، أطربنا بدعاباتك التي تكاد أن تقتلنا من شدة الضحك.
"حسناً، سأسألكم سؤالاً وجودياً: من الأسرع؟ الطلقة أم النسر؟"
تكلم ثروفين ببرود، عاقداً ذراعيه: "يعتمد على نوع النسر، وأيضاً على الطلقة، فقد تكون لبندقية قديمة."
"خطأ! هل أنا قلت أعطوني أنواعهم؟ لا! أنا قلت: من الأسرع؟ النسر أم الطلقة أم أنا؟"
متنهداً، حك ثروفين رقبته وهو يفكر في إجابة تناسبه، ثم قال: "الطلقة."
"خطأ مجدداً!"
"إذاً ما هو، أيها اللعين؟"
"الإجابة منطقية: بما أنني أنا من أطلق الطلقة، وبما أن الطلقة أسرع من النسر، وأنا أسرع من الطلقة لأنني أطلقتها، فالاستنتاج المنطقي هو أنني الأسرع منهما معاً!"
متنهداً، نظر ثروفين إلى غباء صديقه وهو يفرك صدغيه، وقال: "هل هذا تسميه منطقاً؟ هذا جنون منظم!"
"آه، شكراً لك على الاسم! كنت أفكر فيه! جنون منظم... ولكن مع ذلك، هذا هو الأفضل!"
ابتسم كاين لكلام صديقه، شهيق، وقال: "كيدو، يجب حقاً أن تدرس الفيزياء على الأقل، أو حتى النظريات الأساسية، لأنك لا تعرف المنطق أبداً."
أدار كيدو رأسه إلى كاين، وهو يفكر في كلامه، ثم قال بنبرة مبتسمة: "أوه، لا أعرف الفرق، لكن الفيزياء مملة يا أخي! قوانين إلى آخره... ولكن الجنون ممتع ومُسلٍ!"
تنهد ثروفين معلقاً، هازاً رأسه: "لا تحاول إقناعه يا كاين، أعرف هذه النوعية جيداً. مهما حاولت لن تقنعه. ولكن مع ذلك، لم أرَ شخصاً يفخر بهذه التفاهة!"
"آه، لا تخف يا ثروفين! فعندما يكتبون اسمي في التاريخ، سأقول إنك كنت معلمي!"
تنهد ثروفين بإحباط، ماسحاً وجهه: "التاريخ لا يكتب البلهاء.و أيضا من قال لك إنني سأسمح لك بكتابة اسمي؟"
ضحك كاين بكل قوته بعد سماع نكتة كيدو، لم يستطع التوقف بل استمر ضاحكاً، ماسكاً بطنه. كانت مضحكة بطريقة غريبة ومُسلية، جعلته لا يستطيع حتى التنفس. قال: "ههههه! هذان الاثنان سيقتلانني قبل أن نصل إلى الموت!"
"لا تقلق يا كاين، إذا متَّ، سأضمن أن تكون أول كلمة في جنازتك هي النكتة العظيمة!"
زادت ضحكات الشاب بعد سماع كلامه.
ومع ذلك، قال ثروفين غير مبالٍ بالضحكات، محركاً كتفيه: "لا تخف يا كاين، فلن يحدث هذا، لأنني سوف سأقتله قبل يوم الجنازة!"
ابتسم كاين وهو ينظر إلى الشابين، شهيق: "حقاً، أنتما أفضل صديقين في هذا العالم."
ابتسم كيدو وهو يضرب صدره بفخر: "لا! نحن لسنا أصدقاء. نحن إخوة! نتقاسم كل شيء حتى آخر نفس."
صمت الجميع لبرهة.
ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه ثروفين قبل أن يخفيها بسرعة، حاكاً فكه.
صرخ كيدو، قافزاً: "لقد رأيتها! لقد رأيت ابتسامتك! قلها فقط: أنا أفضل كوميدي في العالم!"
تنهد ثروفين وهو يحاول التقاط أنفاسه: "انتظر! هذه ليست ابتسامة! هذا مجرد تشنج عضلي! وثانياً، هذه النكتة سيئة جداً!"
"تشنج عضلي؟! متى كانت الشفتان تحتويان على عضلات أصلاً؟! قل فقط إنك ابتسمت!"
"انتظر، منذ متى وأنت تفكر في المنطق بهذا الشكل؟! حسناً... اللعنة! لقد خسرت! أنت أفضل كوميدي!"
ابتسم كيدو بفخر وهو يصرخ بكل صوته، رافعاً قبضته: "لقد فزت!" ولكن قبل أن يكمل فرحته، قال ثروفين، ناظراً إليه بطرف عينه:
"لكن مع ذلك، أنت أول من سيموت في هجوم البهيموث!"
ابتسم كاين وهو يسمع كلام صديقيه، فرك يديه، وقال في ذهنه: أوه، حقاً إنهم يذكرونني كثيراً بإيزابيل وبارك جون... هل هذه صدفة؟ لا أعرف. لكنني حقاً أشكر القدر على هذا الشيء.
بعد هذا لمدة قصيرة، التفت كيدو ناحية الشاب ثم قال:
آه، لا تحاول الإفلات، لقد حان دورك. أنا حقاً متحمس للنكتة التي ستقولها، بالطبع لن تتفوق عليّ، ولكن ستكون ممتعة بطريقتها.
غير مدرك الشاب ما كان يقوله صديقه، فكر، حاكاً خده: لقد كنت منشغلاً بالضحك لدرجة أنني نسيت أن أفكر في نكتة. ولكن أنا حقاً لا أبرع في الكوميديا أبداً، ربما الشيء الوحيد الذي أعرفه هو سرد القصص.
قال بصوت خافت، معدلاً وقفته: حسناً يا كيدو، أتوقع أنه ليس لدي نكتة، ولكن لدي قصة. هل توافق على هذا؟
آه، بالطبع، أي شيء منك سيكون ممتعاً.
نظر إليه ثروفين، رافعاً حاجباً، ثم قال: ما نوع القصة؟
رومانسية، على ما أتوقع.
آه، هذا مثير. إذا كانت هكذا، فقد يكون فيها عصابات، قتال دموي من أجل كسب الحب، أو حتى خيانة، وأضف إليها بعض المقبلات وهي التلاعب.
نظر إليه ثروفين قائلاً، هازاً رأسه: كيدو، تعرف أننا لسنا في قصة أكشن، قال رومانسية. ثم تنهد مواصلاً كلامه: حسناً، اروها، بالطبع على الأقل سيكون أفضل من الاستماع إلى هذا الثرثرة.