الفصل الخامس: القتال حتى الموت

بينما بدأت أمشي برفق وأحس بكل خطوة، كنت مركزاً على كل شيء حولي. الثلج الذي كان يغوص تحت قدميّ بصمت مطبق، والهواء البارد الذي كان يدخل إلى رئتيّ كأنه شفرات صغيرة تحاول قتلي مع كل نفس.

الشيء الذي جعل كل حواسي تنشط هو الغابة بحد ذاتها، فقد بدت مثل شيء يتحرك، لا بل بدت وكأنها لعبة رعب. الأشجار، الأغصان، الظلال التي بينها، كلها وكأنها عيون تراقبني أو تحاول أن تجعلني في أسوأ حالاتي العقلية.

لكن كما العادة، حظي دائماً سيء.

كسرت جذعاً ساقطاً على الأرض بالخطأ من دون قصد، ربما من شدة التوتر أو شدة التركيز. كان هذا الصوت الذي لا يكاد يُسمع، بدا الأمر كقطرة سقطت في محيط خالٍ من أي أمواج. الصوت الذي صدر كان بسيطاً، ولكن في هذا الصمت الأزلي كان مثل طلقة مسدس أُطلقت في كنيسة فارغة.

ولم تمضِ إلا لحظات.

رأيت ذلك الوحش وهو يلتقي بعينيه الحمراوتين بعينيّ. ثانية واحدة وكأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف ليشهد العرض الساخر الذي سوف يراه. ثم في تلك الثانية التالية انتهى كل شيء.

إذ بدأ كل جزء من جسدي يجري. ربما بسبب الأدرينالين الذي اندفع في كل خلية من جسدي، ربما لهذا اختفت جميع ملامح الخوف و وكان بدوره مسكناً ضخماً ابتلع جميع تلك المشاعر ولو للحظات قصيرة.

ثم بعد ذلك قرر هذا الجسد المثالي أن يُظهر أخيراً بعض إمكانياته، وكأنه أخيراً سمح لي بالاستيلاء عليه حقاً والانتفاع بكل قوته لمحاولة النجاة. قلبي الذي كان يدق بهدوء قبل لحظات تحوّل إلى طبول تدوي في كل ركن من هذا الجسد لا تتوقف، دقاته التي كنت أسمعها بوضوح مخيف داخل رأسي.

حتى أنفاسي والعرق الذي بدأ ينزل رغم البرودة التي أراهن أنها كانت تحت الصفر بعشرين أو ثلاثين درجة. هذه اللحظة لم تكن نعمة بل كانت جحيماً، وكأنني كنت أحس بكل ثانية، وكأن الحياة كانت تريدني أن أراها بكل جمالها قبل أن أفقد كل شيء.

تبًا تبًا تبًا! آدم اسرع! إنه يطاردنا! يجب أن تسرع أكثر وإلا فلن أضمن أنك سوف تعيش!

صوت آش كان حاداً ومشدوداً، ولكنه حمل معه شيئاً لم أعتَد سماعه منه، التردد والقلق. وهذا بالذات جعلني أدرك أن نسبة نجاتي قد أصبحت أقل من واحد بالمئة.

والأسوأ من ذلك كان الثلج الرطب الثقيل الذي يجعل من الأرض زلقة كأرضية ملعب هوكي، وبينما كان الثلج المتساقط يضرب وجهي يجعل رؤيتي ضبابية بعض الشيء.

ورائي كانت هناك الأرض تهتز معلنةً وصول ملكها. والمشكلة أنه لم يكن يركض، بل بالأحرى كان يمشي. وهذا الذي جعلني أدرك أنني لم أكن إلا لعبة يستمتع بها قبل أن يأكلها.

كانت الأفكار تتراكم في رأسي مثل الوحي الذي ينزل. الفيديوهات التي كنت أشاهدها من قبل عن أفضل طرق النجاة من أسد، من قرد، من ثعبان. كل شيء كان يتسابق في رأسي يحاول أن يجد حلاً.

لكنني أدركت أن هذا الكيان الذي يمشي ورائي لن تنطبق عليه أي طريقة من تلك الطرق. ربما الطريقة الوحيدة هي الهروب.سرعته كانت أسرع مني بكثير، وكأن حياتي لم يتبقَّ لها إلا دقائق قليلة.

اللعنة. اللعنة. اللعنة.

بمحاولة يائسة حاولت الانعطاف لأضلله، لأكسر إيقاع تلك الخطوات الواثقة المرعبة. انعطفت يميناً بكل ما أملك من سرعة، ثم يساراً، ثم أسرعت مستغلاً كل ما منحني إياه هذا الجسد الجديد من قدرات.

لثوانٍ معدودة بدا وكأن المناورة نجحت. لكن الوحش لم يكن يتمشى لأنه بطيء. كان يمشي لأنه لم يكن يحتاج إلى الركض.

جاءت لكمة من تلك الذراع التي كانت بحجم جذع شجرة ضخمة، اخترقت المسافة بيننا في لحظة واحدة.

رأيت كل شيء حتى حياتي مضت في لحظة واحدة. جسمي الذي كان يحلق بدرجة تسعين درجة أصبح وكأنني ورقة هشة تجرفها الرياح. مضت تلك الثواني بسرعة لدرجة أنني لم أكن أقدر المسافة التي قطعتها.

الشيء الوحيد الذي أستطيع قوله أنني كنت أقرب من الموت إلى الحياة. ولكن بعد تلك الصدمة توالت صدمة أخرى وانتهت باصطدام مدوٍّ بصخرة كبيرة كانت تقف ورائي، ربما لولاها لجرفتني الرياح لا أعرف حتى.

بوم.

ك... ك... كسر. كان الصوت يخرج من جسمي يُعلمني بأن هذا الجسم قد خارت قواه، لا بل يُعلمني بأن كل جزء من جسدي قد تحطم وأصبح مثل شظايا متناثرة.

أو حتى تخيّل معي ألف إبرة توضع على جسمك بأماكن متفرقة وتدخل حتى تصل إلى العروق. ربما الشيء الوحيد الذي جعلني أتمسك بهذه الحياة هو المثابرة والعزيمة.

فقد أدركت الآن أن أهم شيء يمتلكه الإنسان هو حياته، فعندما تأتي تلك اللحظة وكأن طيلة حياته لم يفعل أي شيء، يحاول النجاة بكل طاقته مهما كانت الطرق. حتى لو كانت التضحية بأي شيء.

بينما كنت أضحك والدماء تنزل من فمي. ربما هذه عادة لا تزال وسوف تبقى في ذهني دائماً. عندما أواجه هذه المواقف الصعبة أبقى أضحك، لا أعرف إذا كان هذا الشيء سوف يخفف عني شيئاً.

ولكن لم تستمر تلك الضحكات كثيراً بل تبعتها:

كحّ. كحّ. كحّ.

الدم الذي بدأ يلوّث كل شيء، ملابسي، حتى الثلوج البيضاء التي بدأت تتحول إلى بركة من الدماء. ربما، ربما حقاً قد تكون هذه هي النهاية. نهاية كل شيء.

ثم قلت بصوت لا يكاد يُسمع:

أو تكون بداية لأعظم قصة قد تُروى في التاريخ وبداية تأسيس أعظم شخصية سوف تُكتب.

هههه. يا أخي، حتى في آخر لحظاتي أفكر في هذه الأمور الخيالية. حسناً يجب أن أقلع عن هذه العادات السيئة التي حتى لن تحصل ابدا. لا يجب أن أموت.

في تلك اللحظة سمعت صوت آش يأتي بهدوء غريب لا يتناسب مع ما نحن فيه.

آدم، استمع إليّ جيداً الآن. إذا أردت النجاة سوف نعمل أكبر مخاطرة في حياتك. ثق بي، أعطني حياتك.

ضحكت لا إرادياً من الوضع الساخر الذي وقعت فيه. إنسان مكسور الضلوع ينزف، لا يستطيع الوقوف بشكل صحيح، يواجه وحشاً يزن ما يزيد عن طنٍّ من العضلات والفراء والأنياب. ويُطلب منه أن يثق في خطة.

لم يكن لديّ أي حيلة أخرى.

إذن ما هي خطتك يا آش؟

أولاً يا آدم، الثلج. خذ أكبر كمية تستطيع من الثلج الرطب الثقيل وارمها مباشرة في عينيه. عيناه هما نقطة ضعفه الوحيدة الواضحة لأنه يعتمد عليهما في تتبعك. ثانياً، عندما يصبح أعمى ولو لثوانٍ معدودة، اندفع نحو يده اليمنى واقطعها. لا تحاول إصابة أي نقطة أخرى. فقط اليد. ثالثاً، وهذا هو الأصعب، دع الوحش يقترب منك حتى تكاد تلمسه، ثم اجعله يهجم عليك بكل قوته وتجنّب ضربته في آخر لحظة بالحد الأدنى من الحركة. ثقله الهائل سيحمله للأمام ووضعيته ستكون مكشوفة تماماً. رقبته ستكون أمامك لتصبح هدية. ضربة واحدة عمودية قاطعة. فقط ضربة واحدة في المكان الصحيح.

هل أنت تمزح معي يا آش؟ أنا لم أمسك في حياتي بسيف قبل هذا اليوم، لم أقتل شخصاً في حياتي، وتريدني أن أنفذ ثلاث خطوات بهذه الدقة مع وحش لا يبدو أنه يعرف معنى الموت؟

إذا لم تفعل هذا يا آدم فالموت سوف يكون أقرب من الحياة بالنسبة لك. الثواني هنا قد تحدد مصيرك.

لعنة.

بينما كان الوحش القادم من بعيد تتزايد خطواته في كل مرة يتجه إليّ فيها مثل القاتل المتسلسل الذي يريد إنهاء حياة ضحيته، لم أتحرك ولو بخطوة. لم أكن أعرف إذا كان هذا بسبب ثقتي الكبيرة في آش أو حتى بسبب الجروح التي تملأ جسمي، أما بسبب رجلي أو سيفي الذي كنت أسند عليه، أو حتى الخوف الذي جعلني أتقبّل موتتي بصدر رحب.

ومع ذلك لم تمضِ إلا لحظات قليلة حتى تلاقت عيوننا مجدداً. كانت المسافة التي بيني وبينه لا تكاد تُعدّ. حتى مع هذه الجروح لم تستسلم عزيمتي، متشبثاً بهذا الحبل لآخر رمق، متفادياً هجمته الساحقة التي كانت على وشك سحق رأسي.

بدأت أجمع الثلج.

انحنيت بسرعة جامعاً أكبر كمية قد يستطيع هذا الجسم حملها في هذه الحالة التي تشبه الاحتضار. كان الثلج الكثيف الرطب البارد الذي لم أعد أحس بأي شيء معه، كان جسمي يدفع حدوده لا بل دفع إلى حدود لا تُصدق. الألم، التخدير، كل شيء.

لم أكن أفكر إلا في فكرة سريعة أتت في ذهني.

إذا انتهى كل شيء وحقاً سوف أنجو، ما الفائدة من فعل هذا؟ ففي النهاية حتى لو قتلته فسوف أموت من هذه الجروح. ما الفائدة من هذه المثابرة التي لن تفيد بأي شيء؟ ففي النهاية سوف أموت.

كانت هذه الكلمات التي قد تُزعزع أي إنسان، ولكن عزيمتي التي هي فقط التمسك بآخر قطرة من الأمل حتى ولو كانت منعدمة أبت أن تستسلم. ربما كنت أتخيل أنه سوف تحصل معجزة، ولكن على الأقل لن أموت بهذا الشكل.

حسناً، حتى لو متُّ فسوف آخذ هذا الوغد معي.

ثم استدرت موجّهاً تلك القذيفة المصنوعة من الثلج نحو رأسه. وكأنني تمنيت لو أن الحظ يلعب معي في تلك اللحظة، لكن ربما في تلك الثانية قد استجاب الله لهذا العبد. لقد أصبته بدقة لا تُتوقع.

في تلك اللحظات بدأ هذا الوحش يجن أكثر، بضربة بيده على الأرض وكأنه زلزال يدوي في كل ركن من هذه الغابة. لكن لم يكن هذا إلا أكبر خطأ قد ارتكبه. الثلوج التي كانت تغطي كل شيء حتى الأشجار انهمرت مثل رياح الخريف لتذهب نحو عينيه.

في تلك اللحظة بدأ الأعمى الذي لا يستطيع أن يرى أي شيء. ربما كانت هذه هي فرصته الأخيرة.

اندفعت للأمام بكل ما تبقى من قوتي والسيف في يدي الذي أخيراً بدأ يفعل دوره. يده اليمنى التي كانت مثل ما قال آش مثالية لضربة قاطعة.

رفعت سيفي لضربة قاطعة مستقيمة حتى تقطع أي شيء. لحظات وتناثر الدم في كل مكان وسقطت اليد العملاقة التي بدت وكأنها شجرة تم قطعها.

بقيت واقفاً بهذا الجسد الذي لم يعد يقوى على الحركة، مبتعداً قليلاً عن الوحش. اندفع مثل المجنون لم يهتم بأي شيء، لا البيئة لا أي شيء.

أقسم أنا لو كان هناك ملك الموت هنا لم ينتبه له هذا الوحش المجنون. كان يريدني فقط. لا شيء آخر.

بينما بدأ الزمن يتباطأ من حولي وأنا أفكر في الخطوة التالية، مترددٌ ولكن مبتسم مثل المجنون، بات الوحش اقتربت من الموت وصل الأدرينالين إلى حده الذي يجعل كل مشاعري مختلفة.

بضربة قاطعة مدوّرة كانت على وشك أن تصلني، جاء جسدي يتراجع متجنباً هذه الضربة في آخر اللحظات بفضل مساعدة آش. ولكن ضحّيت برجلي اليسرى، لم تُقطع بل فقط تكسّر كل عظم فيها.

الألم الذي أتى من رجلي في تلك اللحظة كان من نوع مختلف تماماً. ليس الألم الذي يجعلك تصرخ، بل الألم الذي يجعلك تصمت. الألم الذي يجعل عقلك يقرر أنه لن يعترف بوجوده لأنه إذا اعترف به فلن يستطيع الاستمرار.

كانت هذه مخاطرة هائلة ولكن لا يهم.

بعد سقوط تلك الهجمة بدأ يترنح بعض الشيء، ليس بسبب ضعفه بل بسبب وزنه. كانت الجاذبية بدأت أخيراً تعمل مفعولها على هذا الوغد الحقير.

مبتسماً ابتسامة تُعلن عن نصر. للمرة الأولى في هذه المعركة كلها شعرت بشيء يشبه السيطرة. شيء يشبه الأمل الحقيقي لا المتخيّل.

رأسه الذي كان أقرب من أي وقت مضى إلى الأرض بزاوية مثالية لقطعة عمودية. لم أُضيّع هذه الفرصة. أمسكت بسيفي وبضربة عمودية ساحقة وضعت فيها كل جزء من قوة متبقية، الأمل الأخير لهذا الشخص الذي وجد نفسه في جحيم حقيقي.

ولم تمضِ إلا ثوانٍ حتى رأيت جثة ساقطة على الأرض ورأسه يتدحرج في هذا الجليد القارس، والدم الذي بدأ يغطي كل شبر من جسدي المثالي.

بعد ذلك لم أعد أتمالك نفسي، بل وصلت قمة جنوني بضحكات هستيرية تسخر من كل شيء قائلاً للوحش:

ما هي الفائدة من كل هذه الكومة من العضلات إذا كنت سوف تموت على يد شخص لم يحمل في حياته سيفاً ولم يقاتل في حياته قط؟

ثم رفعت رأسي للسماء:

هل أنت سعيد أيها القدر؟ بحق السماوات، حتى مع محاولتك بقتلي وفي النهاية فشلت!

ثم نظرت إلى السماء وبكل ما تبقى من طاقتي رفعت يدي مخرجاً الإصبع الأوسط:

لا أعرف من أنت أيها الشخص الذي نقلني إلى هذا العالم، ولكن من يتوقع أن أنتقل فجأة وأعيش كل هذا؟ خذ هذا!

ولكن لم تدم تلك السخرية طويلاً، وكأنها كانت آخر محاولات لجعل عقلي ينسى كمية الألم الذي بدأ يتسلل إلى كل جزء من جسدي.

الأدرينالين الذي كان يمدني بكل شيء توقف. الدم بدأ يتجمد من هذا البرد القارس. الألم الذي بدأ يخرج من رجلي اليسرى وحتى أضلاعي التي بدأت تنزف أكثر بعد أن أجهدت هذا الجسد أكثر مما ينبغي.

الألم لم يكن يوصف، بل كان مزيداً من كل شيء، من القلب الذي كان يوشك أن ينفجر، من أضلاعي التي انكسرت كلها، من رجلي التي أصبحت معاقة، من كل جزء من جسدي حتى عقلي الذي لم أعرف إذا كان سليماً أم أصابه خدش.

ثم جاء الوحوش الثاني.

من بين الأشجار. من بين الظلام والثلج والصمت. كان يسير نحوي بخطوات واثقة لم تكن تحمل أي تردد. كان أكبر من الأول. أضخم. أكثر عضلية. بنفس الشكل لكن وكأن من صنعه قرر أن يأخذ النسخة الأولى ويضيف عليها كل شيء كان ينقصها.

وفي عيونيه الحمراوتين لم يكن الجوع. كان الغضب. غضب بارد محسوب وكأنه جاء لغرض محدد.

الآن فهمت. لم يكن الأول يطاردنا لأنه جائع. كان يطاردنا لأن هذا مكانه. وهذا الثاني جاء ليُكمل ما بدأه الأول. كأنهما فريق. كأن هذه الغابة لها حراسها الخاصون.

لم أكن قادراً على الحركة بعد. أسندت جسمي على ما تبقى من قوتي وانتظرت.

في هذه اللحظات التي يوشك فيها الإنسان على الموت لا يعرف ماذا يقول أو ماذا يفعل أو ماذا يفكر. هل يبدأ يفكر بحياته التي عاشها؟ هل يبدأ يفكر بالندم ويتمنى أمنية جديدة؟ أو حتى حياة جيدة لعائلته بعد ذلك؟

لم يكن الشخص الذي كان يحتضر الآن أياً من هذه الأشياء. بل كان مبتسماً ابتسامة صادقة. لم يكن نادماً على حياته أو حتى يتمنى فرصة أخرى. بل كان راضياً، تقبّل الأمر كأنه كان محسوماً منذ البداية.

قلت بكلمات خافتة:

حسناً، هذه هي النهاية. إذا لم تكن أفضل شيء لكنها لم تكن أسوأ شيء أيضاً. بل كانت مرضية. مرضية بشكل غريب. لست هنا للشكوى أو للاعتراض أو لتمني شيء. ربما فقط أتمنى ألا يعرف أحد من عائلتي أنني مت أو حتى يحزن. أما ما يخص الأشياء الأخرى فلا. لا أي شيء. ببساطة كنت متقبلاً. كنت راضياً. مبتسماً لهذا الموت.

يا آش... يبدو أن هذه نهايتنا.

لا! لقد فزنا بالجائزة الكبرى! لقد انتصرنا!

لم أفهم كلمات آش. ماذا يعني انتصرنا؟ هناك وحش آخر أمامي وأنا لا أستطيع حتى الوقوف بشكل صحيح. أي انتصار هذا؟

كنت على وشك فقدان الوعي. الوحش الثاني رفع يده للضربة النهائية وجسدي لم يكن يملك ما يكفي لتجنّبها.

ثم سمعته.

لم يكن صوتاً. كان وميضاً في الهواء. شيء يخترق الصمت والثلج والمسافة في جزء من الثانية. سهم واحد جاء من لا أعرف أين، اخترق الهواء البارد وغرز مباشرة في رأس الوحش الثاني.

الوحش لم يصرخ. لم يترنّح. فقط سقط.

بينما لمحت عيوني في الأفق غزالاً مبهراً جعل كل حواسي تحدق بكل تفصيلة فيه، وكأنه كان آخر شيء جميل يجب أن أراه قبل أن يقتلني هذا الوحش.

كان جسده مغطى بفراء فضي يتناسب كلياً مع هذه البيئة. كانت قرونه الضخمة المتشكلة إلى فروع وكأنها روح هذه الغابة بلونها الأخضر مثل عينيه تماماً.

كان أقرب إلى كونه شيئاً من المستحيلات، حتى منظره بدا غير واقعي.

يبدو أنني بدأت أتخيل. هل حقاً وصل جسمي إلى حدوده وبدأت أتخيل أشياء ليس لها وجود أصلاً؟

قفزت فتاة عن الغزال بطريقة سلسة وكأنها فعلت هذا مئة مرة. كانت تتجه نحوي بخطوات سريعة متسرعة بعض الشيء، وكأن جسمها لم يعد مستقراً، ربما من الهلع أو ما شبه ذلك.

لم أكن أستطيع تمييز الفتاة القادة إليّ، الذي جعلني أركز فقط في شكلها المبدئي بشعرها الأخضر الطويل وبريقه الخلاب من أعينها الخضراء التي تحسها وكأنها جزء من هذه الغابة، وأضف إليها جسمها النحيل الرقيق الذي يوحي اللطف والطيبة.

أما وجهها فكان ساحر العين من أول نظرة حتى مع حالتي هذه، الذي يندمج مع بشرتها البيضاء. لم أكن أستطيع أكثر من هذا. لا، لقد ضغطت جسمي أكثر مما ينبغي أصلاً لكي أرى هذا الوجه بأفضل حاله. لقد كان تقريباً آخر ما تبقى من طاقتي، ثم لم أستطع رؤية الملابس أو أي شيء آخر. الذي كانت هذه آخر ما تمكنت من رؤيته تقريباً.

ولكن مع ذلك استمرت في الجري ولم تُبطئ من سرعتها بل استمرت بنفس الإيقاع.

من هي هذه الفتاة؟ ومن أين جاءت؟ ولماذا تبدو وكأنها تعرف ما تفعله تماماً في هذا المكان المجهول؟

أصوات آش كانت تبعد في أذني. وعيي كان يتلاشى ببطء مؤلم.

آدم اصمت! حاول الصمود بقدر الإمكان! ليس بعد كل هذا الجهد، ليس بعد كل هذه العزيمة!

ثم صوتها.

كاين... كاين... كاين. اصمت. أنا قادمة لإنقاذك. تمسك بالحياة حتى آخر رمق.

كاين؟ من هو كاين؟ هل تخاطبني؟ ولماذا بهذا الاسم؟ لم أستطع حتى فتح عيني لأسألها. صوت رقيق جذاب يجذب الأذن كأنه موسيقى تعزف في مكان لا تعزف فيه الموسيقى عادة.

بدأت أحس بشعور مختلف وكأن كل الألم الذي كان يغطي جسدي استُبدل بإحساس آخر. الدفء. لم يكن كما اعتقدت، كان شعوراً حاراً نقياً تمنيت لو يستمر أكثر ولا يتوقف.

كان أشبه بأنني في عملية مساج خمس نجوم يتم فيها تدليك كل عضو، وأضف إليها مسبحاً يطل بمنظر لا يوصف. بعد ذلك وكأن كل ذلك الألم امتصّه شخص آخر مضحّياً بنفسه فقط ليجعلني بأفضل صحة.

الكسور، الجروح، كلها قد اختفت وكأنها لم تحدث أصلاً. حتى آثار الدم تلاشت. وكأن أعظم إنجاز قد

قمت به في حياتي قد الحذف من هذا الوجود.

وفي الأخير هذا الجسم بكامل منظره الأنيق والمثالي وكأنه أُعيد ترميمه من جديد بطريقة تشبه بعض الشيء تجديد قطع الغيار بقطع جديدة.

حسناً، يبدو أنني قد تعالجت من جميع جروحي.

2026/04/25 · 18 مشاهدة · 2678 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026